الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

31

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

ولقد بين الشيخ السراج الطوسي في كتابه المذكور أن للصوفية في مصطلحاتهم مستنبطات وإشارات تخفى في العبارة من دقتها ولطافتها ، ومن ذلك معانيهم في المقامات والأحوال والمعارف وحقائق الأذكار ودرجات القرب وتجريد التوحيد ومنازل التفريد وحقائق العبودية والعوارض والعوائق والعلائق والحجب وخبايا السر ومحو الكون بالأزل وتلاشي المحدث إذا قورن بالقديم وفناء رؤية الأعواض وبقاء رؤية المعطي بفناء رؤية العطاء وإلى ما لا يمكن حصره من علومهم ومستنبطاتهم التي كمنت في مصطلحاتهم . فالصوفية عند الشيخ مخصوصون بحل هذه العقدة والوقوف على المشكل من ذلك والممارسة لها بالمنازلة والمباشرة والهجوم عليها ببذل المهج حتى يخبروا عن طعمها وذوقها ونقصانها وزيادتها ويتكلمون فيها وفي دلائلها وذلك مما يصعب على أحد أن يذكر قليله فضلًا عن كثيره ، وجميع ذلك موجود علمه في كتاب اللَّه عز وجل والسنة المطهرة ، ولا ينكره العلماء إذا استبحثوا عن ذلك « 1 » ومن رجال التدوين في هذا العصر الشيخ أبو بكر محمد الكلاباذي ( ت 380 ه ) والذي صنف كتاباً ضم بين طياته كماً كبيراً من الاصطلاحات الصوفية وهو كتاب ( التعرف لمذهب أهل التصوف ) فقام بشرح المذهب الصوفي بناءاً على هذه المصطلحات . وكذلك فعل الشيخ أبو طالب المكي ( ت 386 ه ) في كتابه ( قوت القلوب ) حيث حشد فيه من المصطلحات والعلوم ما جعله موسوعة علمية فياضة في مجاله . ولو كنا بصدد الاستيعاب لأطلنا الحديث مسلسلًا عمن عاصر هؤلاء الأفذاذ ، وما ألف وكتب في هذا المجال ، ولكن الذي يهمنا هو أن التصوف في هذا العهد أعطى التفكر والتدبر وإمعان النظر أهمية كبيرة أكثر من القيام بالرياضات الشاقة التي عهدت عند صوفية القرن الثاني وقسم من صوفية القرن الثالث الذين تحققوا بأن العبادة والطاعة والزهد وترك الدنيا إنما هو وسيلة لا غاية ، وهو مقدمة لبلوغ هدف أسمى وهو الوصول إلى اللَّه تعالى بغض الطرف عن الدنيا والآخرة وعن النفس .

--> ( 1 ) الشيخ السراج الطوسي - اللمع في التصوف - ص 14 - 15 .