جيرار جهامي ، سميح دغيم
3352
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
وجوديّة * في الفكر الحديث والمعاصر - إن الوجودية في أساسها مذهب محترم مقبول أو مذاهب محترمة مقبولة لا يستدعيها قيام المذاهب الهدّامة التي تلغي وجود الفرد واستقلاله في غمار الجماعات التي ينتمي إليها . وإنما قامت الوجودية كأنها رد فعل لتلك المذاهب يحفظ للفرد كيانه واستقلاله ويعرّفه بحقوقه وواجباته بين قومه وبين إخوته من بني الإنسان في جميع الأمم وجميع الحقب ، ولكن هذه الوجودية قد تنحدر مع المنحدرين بطبائعهم حتى تصبح ضربا من العدمية أو ضربا من الإباحية التي لا تعترف بشيء غير شهوات الفرد ودوافع الأثرة والأنانية . ومن الوجودية التي تستحق اسم العدمية تلك العقائد التي تنكر معنى الوجود وتقطع الوشائج العميقة بين وجود الإنسان ووجود هذه الأكوان في آزالها وآبادها التي لا حقيقة وراءها ولا معنى لكلمة العبث إن نسبت إليها . ( العقاد ، أفيون الشعوب ، 79 ، 2 ) . - ما هي الوجودية ؟ هي كلمة منسوبة إلى الوجود . ولكن لا يفهم منها بالبداهة أن المراد بها هو مطلق الوجود ، لأن الحجر موجود والشجرة موجودة والحيوان موجود ، وقد تكون كلها موجودة بالنسبة إلى غيرها ، لأن غيرها هو الذي يحس وجودها ويعرف لها صفة الموجودات . والإنسان على كونه مخلوقا حيّا عاقلا قد يكون موجودا أيضا بالنسبة إلى غيره لا بالنسبة إلى نفسه ، ويكون حكمه في وجوده كحكم الحجر والشجرة والحيوان أو قريبا منها في مجمل التقدير . فهل نفهم من الوجودية إذن أنها منسوبة إلى الحياة ؟ كلا ، ولا هذا هو المقصود بالمعنى الفلسفي لهذه الكلمة ، لأن الإنسان يكون في الحياة من مولده إلى مماته ، ولا يخرج منها في خلال ذلك ولو ذهب في النوم أو غاب عن وعيه . فالوجودية لا تعني مطلق الوجود ولا مطلق الحياة ، ولكنها تعني أن يهتدي الإنسان إلى وجوده بنفسه ، وأن يكون موجودا بالنسبة إلى نفسه ، وأن يسبر غور وجدانه ويستجمع نقائضه في وحدة شاملة تمضي إلى اتجاه متناسق لا تنازع فيه ، وأن يكون بهذه المثابة شيئا لا يتكرّر ولا يتعدّد ، لأن الناس - من حيث هم موجودات - خلائق متشابهة ، يجوز فيها التعدّد والتكرار . ( العقاد ، أفيون الشعوب ، 82 ، 2 ) . - إذ كانت الوجودية أقلّ المذاهب قبولا للتنازع الشديد بين الأنصار والخصوم ، لأنها تتّسع للنقائض من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال ، وتضمّ تحت عنوانها الشامل أناسا يؤمنون إيمان العجائز ، وأناسا يكفرون بكل معتقد ويتحلّلون من كل دين . ( العقاد ، أفيون الشعوب ، 89 ، 4 ) . - أما الوجودية فالاضطراب في قواعدها أشدّ من الاضطراب في قواعد الفوضوية ، لأنها وجوديات كثيرة لا وجودية واحدة ، وربما تناقض الفيلسوفان الوجوديان في العصر الواحد والبلد الواحد كما يتناقض الإيمان العميق والإلحاد السافر ، أو كما يتناقض الزهد والإباحية ، ولعلّ الكثيرين لا يفهمون منها إلّا اللغط عن الإباحية الأخلاقية