جيرار جهامي ، سميح دغيم

3338

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

58 ، 3 ) . نظرية التطوّر * في الفكر الحديث والمعاصر - إن لنظرية التطوّر فضلا في فهم طبيعة الإنسان ، فلا يمكن فيلسوفا أن يعرف كنه النفس الإنسانية ما لم يعرف تطوّر الجهاز العصبي في الإنسان وعلاقته بالأحياء الدنيا ، والعوامل التي جعلته يرقى إلى مستواه الحاضر ، بل إن فلسفة « فرويد » مبنيّة كلها على أن أهم ما في خواطر الإنسان وأحلامه وهواجسه يرجع إلى الغريزة الجنسية التي هي أهمّ وأقوى غرائز الحيوان . فالحيوان الذي يقاتل ويموت من أجل الأنثى لا يزال حيّا في الإنسان حتى في بعض طرق عبادته وفي فنونه الجميلة التي يمارسها الآن وينسبها إلى أرقى الأعمال الذهنية . بل لا يمكن فهم بعض أمراضنا وكيفية علاجها ما لم نفهم نظرية التطوّر . فبعض أنواع الجنون « ردّة » من الإنسان إلى الحيوان القديم الذي لا يزال كامنا مقهورا فينا قد تغلّبت عليه إنسانيتنا . ( سلامة موسى ، التطور وأصل الإنسان ، 26 ، 1 ) . - نظرية التطوّر تقول بأن الأحياء كلها تشترك في أصل واحد هي الخلية الأولى التي ما زلنا نرى مثالا لها في الأميبة مثلا . فإذا صحّت هذه النظرية وجب علينا أن نرى آثار الأحياء القديمة التي مرّ فيها تطوّر الإنسان من الخلية الأولى حتى صار بحالته الراهنة . وبدهي أننا لا ننتظر أن نرى هذه الآثار ظاهرة قوية أي بقوة ما نرى من الآثار التي يتركها الأب للابن . فآثار الوراثة تضعف وتكاد تتلاشى بنسبة بعد الفرد الذي نرث عنه شيئا في جسمنا أو ذهننا . وعلّة هذا الضعف ليست تقادم الزمن وإنما طروء الأجيال جيلا بعد جيل ، وطبع كل جيل سماته في عقبه بحيث تظهر وتستر سمات الأجيال السابقة . ( سلامة موسى ، التطور وأصل الإنسان ، 64 ، 7 ) . - نستطيع أن نلخّص نظرية التطوّر فيما يلي : 1 - إننا البشر ، وكافة أنواع الحيوان مما هو دون الإسفنج وما يعلو عليه كالحشرات والسمك والثعابين والطيور والسباع والبهائم ، نشترك في أصل واحد . وبيننا وبين هذه الحيوانات قرابة بعيدة . 2 - إننا البشر خاصة ننتمي إلى أسرة متعدّدة الأنواع منها الزباب والطرسيوس والليمور والقرد . وهذه هي الأسرة الكبرى . أما العائلة الصغرى التي ننتمي إليها فهي القردة العليا . وليس معنى هذا أن القردة العليا الحاضرة هي الأصل الذي نرجع إليه . وإنما المعنى أننا نحن وهذه القردة من أصل واحد وبيننا وبينها قرابة وثيقة . 3 - إن التطوّر لم ينقطع أو يقف . فإن جميع الأحياء - حيوانات كانت أم نباتا - لا تزال في تغيّر جيلا بعد جيل . والتغيّر يتراكم حتى ينقلب من الكم إلى الكيف فيصير تطوّرا . ( سلامة موسى ، التطور وأصل الإنسان ، 174 ، 2 ) . - إني أؤمن بنظرية التطوّر ، وربما كان أكبر ما يدفعني إلى الإيمان بها أنها ليست من الحقائق العلمية فقط بل إنها نظرية الرجاء والتواضع . ومعنى ذلك إني أؤمن بها للغريزة الدينية التي في نفسي . ففي نفسي عطش إلى الأبدية ، ولست أرتاح إلى أن يكون هذا