جيرار جهامي ، سميح دغيم

3327

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

ونظامها ، يجاوز كل ذلك إلى الحق الكائن وراءها ، أو إن شئت فقل إنه حق كائن فوقها جميعا ، فيستطيع الاتّصال باللّه صلة مباشرة فيعرفه معرفة اليقين ، وبهذا تكون الطبيعة ونظامها من شأن العلم وأداته التي هي العقل والحواس ؛ وأما ما فوق الطبيعة ، وهو الحق المطلق من قيود الزمان والمكان ، فيكون من شأن الدين ، وأداته في الإدراك هي الحدس . وإذا نظرت إلى المثالية في الفلسفة من زاوية السياسة وجدتها كذلك تخدم الديموقراطية في أغراضها . ألم يؤسّس قادة الثورة السياسية مذهبهم في حقوق الإنسان على أن هذه الحقوق جزء من طبيعة الإنسان يولد بها ولا يمنحها أحد لأحد ؟ ثم ألم يبنوا طبيعية الحقوق الإنسانية على أساس من فلسفة « لوك » في تحليل العقل الإنساني وطريقة إدراكه للأشياء الخارجية ؟ . . . فهكذا يفعل أنصار الفلسفة المثالية أيضا ، إذ يقولون إن إدراك اللّه بالحدس المباشر جزء لا يتجزّأ من طبيعة الإنسان ، لا فضل فيه لأحد على أحد ، والناس جميعا في هذه القدرة سواء ، فيكفي أن يكون الإنسان إنسانا لتكون له القدرة على استخدام حدسه في الإدراك . وإذن فللناس جميعا قيمة إدراكية واحدة متساوية ، فهم من الوجهة الروحانية سواء ، وبالتالي فهم من الوجهة السياسية سواء كذلك . كذلك إذا نظرت إلى المثالية الفلسفية من وجهة نظر الإصلاح الديني ، ألفيتها أداة نافعة ، فالمثاليون - كالتجريبيين من قبلهم - متّفقون على أن الكنيسة لا بدّ أن تحطّم قيودها الجامدة أو يحطّموا هم قيودها المفروضة عليهم فيحرّروا أنفسهم من الاعتقادية الساذجة ، لأنه إذا كان الإدراك الحدسي هو مدار المثالية ، أي أنه إذا كان في مستطاع الإنسان بحكم طبيعته أن يحدس اللّه حدوسا مباشرا ، فما ضرورة الكنيسة ونظامها ورجالها لسلامة العقيدة ؟ . ( زكي نجيب محمود ، العالم الجديد ، 58 ، 20 ) . * في الفكر النقدي - أما الفلاسفة فيستعملون لفظ المثالية استعمالا يختلف عن استعماله الشائع اختلافا بعيدا . وقوام المثالية عندهم مذهبان : المذهب الأول « قطعي » قديم ، وهو المذهب الأفلاطوني الذي انبعث من أبي الفلسفة القديمة « سقراط » ، وثبتت دعائمه بجهود تلميذه « أفلاطون » ، وظلّت ذكراه ماثلة في الأذهان على درجات متفاوتة إبان العصر الوسيط . ويرى هذا المذهب أن الأفكار والمعقولات ، أو « المعاني » و « المثل » موجودة وجودا هو أسمى من الوجود المحسوس ، لأنها هي المبادئ النموذجية الأصيلة للأشياء . والمذهب الثاني في المثالية « نقدي » حديث ؛ وهو المذهب الكانطي الذي مهّد له أبو الفلسفة الحديثة « ديكارت » في مبدئه المشهور باسم « الكوجيتو » ( أفكّر فأنا إذن موجود ) ؛ وأبرزه « بركلي » في تقريره بأن « الوجود هو كون الشيء مدركا » ( بفتح الراء ) ؛ ثم شيّده « كانط » بناء شامخا على أساس من نقد العقل في جوانبه الثلاثة : النظر والعمل والذوق . ويرى هذا المذهب أن الأشياء ليست سوى