جيرار جهامي ، سميح دغيم

3300

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

تحوّل التاريخ دون كلل ، ووجها مؤسّسيّا يتمثّل في اعتبار المؤسّسة الدينية مؤسّسة خاصة كالأندية والمحافل ، ووجها سياسيّا يتمثّل في عزل الدين عن السياسة ، ووجها أخلاقيّا وقيميّا يربط الأخلاق بالتاريخ والوازع بالضمير بدل الإلزام والترهيب بعقاب الآخرة . ولكل من هذه أشكال ومناسبات مع وقائع التاريخ المحيطة بها . إن للعلمانية قوى تاريخية فاعلة في إطار الحرية السياسية والفكرية في مجابهة قوى تدّعي الحصرية الثقافية واحتكار القرار والتربية والإنتاج الإيديولوجي ، بل إنها قوى مضادّة لكل ادّعاءات الحصرية دينية كانت أم سياسية كلّانيّة على النمط الفاشي ، ذي الطابع الصوفي السياسي . ( عزيز العظمة ، العلمانية ، 37 ، 17 ) . - أما العلمانية ، فكانت الدنيا التي أسّستها دنيا الدولة التنظيماتية ، على الرغم من أن هذه الدولة ، كالإصلاحية الإسلامية ، لم تكن معلنة عن العلمانية ، ولو تطلّبت ذلك مؤسّساتها ومشروعها الثقافي ، بل كان للدولة التنظيماتية على الصعيد الإيديولوجي دوران : دور احتفالي يتبدّى في رعايتها الدين عن طريق شيخ الإسلام ، وافتتاحها بياناتها ومؤسّساتها وقوانينها باسم الدين ، وبثّها الثقافة الدينية عموما ؛ ودور باد في مؤسّساتها وتدخّلها في المجتمع وفكر كبار موظّفيها ونمط حياتهم . ( عزيز العظمة ، العلمانية ، 175 ، 25 ) . - انتقال النزعة الفلسفية العلمانية التي لا تشكّل النظرية القومية إلّا جانبها السياسي ، لعب دورا مختلفا كل الاختلاف في البلاد الأخرى التي تمّت السيطرة عليها بشكل أو بآخر . فالعلمانية لم تنبت هنا من الصراع الاجتماعي الداخلي ، ولم تنشأ نتيجة لتفكك وتحلّل القيم التقليدية الموروثة وزوال فعاليتها في الممارسة اليومية والجماعية ، ولكنها نشأت عن طريق التبنّي من قبل نخبة محدودة العدد وغالبا معزولة عن الشعب . فهي التي كانت بسبب انتمائها إلى الطبقات العليا المسيطرة أكثر أو الأكثر قدرة على اكتشاف الغرب والالتحاق يثقافته . وبينما كانت العلمانية الغربية فلسفة للثورة ضد الطبقة السائدة المتحالفة بشكل أو بآخر مع الكنيسة ، ووعاء لأفكار التحرّر والمساواة والأخوة والعدالة والمواطنية والقومية ، جاءت العلمانية العربية هنا كوسيلة لتقوية النظام السياسي القائم وتدعيم الطبقة المسيطرة التي أرادت أن تستفيد من علوم الغرب الحديثة لتنعش نظامها اقتصاديا وسياسيا . وكانت كتقاليد وممارسات ولغة تفاهم ووعي من نمط جديد ، وسيلة لعزل الغالبية الشعبية عن السلطة والسياسة . ( برهان غليون ، نظام الطائفية ، 95 ، 7 ) . - العلمانية بديل صالح للطائفية ، على صعيد المجتمع السياسي المدني . لكن الطائفية تتجاوز حدود المجتمع السياسي المدني ، وتشمل ما هو أعمق وأهم ، أعني الأسس النفسية السلوكية التي يرتفع فوقها بناء العلاقات الاجتماعية . من هنا ضرورة البحث عن مكمّل للعلمانية كبديل للطائفية . إن إقرار القوانين المدنية والسياسية على