جيرار جهامي ، سميح دغيم

2112

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

تختلف عملية الحفر إذا اختلفت الأيدي التي تمسك بالفأس الحافرة ؟ أإذا حلّل عالمان من علماء البيولوجيا - مثلا - كائنا من دنيا الحيوان أو النبات ، جاز أن يكون التحليل عند أحدهما تحليلا عربيّا وعند الآخر تحليلا غير عربي ؟ فلماذا لا تكون العملية الفلسفية على هذا الغرار ؟ . ( زكي نجيب محمود ، تجديد الفكر العربي ، 263 ، 11 ) . - إن « الفلسفة » إذا أرادت أن تظلّ قائمة بين أوجه النشاط الإنساني ، بحيث تؤدّي عملا يساعد على تقدّم الفكر في شتّى ميادينه ، فلا مندوحة لها عن قصر نفسها على التحليل وحده - تحليل ما يقوله غير الفلاسفة من الناس - فالقول لسواهم ، وعليهم التوضيح ؛ يقول « وتجنشتين » : « الطريقة الصحيحة للفلسفة هي ألّا نقول إلّا ما يمكن أن يقال ، أعني ألّا نقول إلّا قضايا العلم الطبيعي ، أي أن نقول شيئا لا شأن له بالفلسفة ( بمعناها التأمّلي ) ، فلو أراد قائل أن يقول شيئا في الميتافيزيقيا ، فعلينا أن نبيّن له أنه لم يوضح ماذا تعني رموز بعينها في قضاياه ، ( أي نبيّن له بأن قوله ليس بذي معنى مفهوم ) » . ( زكي نجيب محمود ، الميتافيزيقا ، 16 ، 15 ) . - الفلسفة تحليل للألفاظ والقضايا التي يستخدمها العلماء والتي يقولها الناس في حياتهم اليومية ؛ فليس من شأن الفيلسوف أن يقول للناس خبرا جديدا عن العالم ، ليس من مهمّته أن يحكم على الأشياء ، لأن هذا الحكم يقوم به فريق آخر ، هم العلماء ، كلّ في علمه الذي اختصّ به ؛ فعالم الطبيعة أولى منه بالتحدّث عن قوانين الطبيعة ، وعالم النفس أولى منه بالتحدّث عن قوانين السلوك ، وهكذا . بل مهمّة الفيلسوف هي أن يحلّل ويوضح المعاني ، حتى لقد عرّفت « سوزان لانجر » الفلسفة بأنها « علم المعنى » . ( زكي نجيب محمود ، الميتافيزيقا ، 19 ، 3 ) . - إن « الفلسفة » لا ينبغي أن تجعل غايتها شيئا غير التحليل المنطقي لما يقوله سواها ؛ إنها لا تتكلّم بذاتها ، بل تدع غيرها يتكلّم بما قد كشف عنه من حقائق العالم ، ثم تتقدّم هي لتحليل هذا الذي نطق به غيرها في تصويره للعالم ، كي تستوثق بأن الكلام الذي قيل قد كان كلاما له معنى ؛ وليس من شأنها بعد ذلك أن تقول إن كان الكلام الذي قيل ، والذي وجدته كلاما ذا معنى ، ليس من شأنها أن تقول إن كان ذلك الكلام صادق التصوير لحقائق العالم أو غير صادق ، لأن مراجعة الصورة الكلامية على الأصل الطبيعي من صميم عمل العلماء بما لديهم من أدوات المشاهدة والتجربة . ( زكي نجيب محمود ، الميتافيزيقا ، 28 ، 10 ) . - ليست الفلسفة مجموعة من « القضايا » يتقدّم بها الفيلسوف ، ليخبر في كل قضية منها بخبر عن هذا الجانب أو ذاك من جوانب العالم ؛ وفي هذا يقع الاختلاف بينها وبين مختلف العلوم ؛ فالعلم من العلوم - كعلم النبات مثلا أو علم الضوء - مؤلّف من مجموعة قضايا ، أو إن شئت فقل إنه مؤلّف من مجموعة قوانين ، أما الفلسفة فلا « قضية » عندها تقدّمها ، ولا « قانون » من قوانين العالم هو من نتائج بحثها ، وإنما ينحصر عملها في تحليلها ما تقوله شتّى العلوم من قضايا .