جيرار جهامي ، سميح دغيم
3176
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
فهي تراقب باهتمام كل أماكن الطرق الصوفية والأوساط التي تعبّر عنها . ويمكن لهذه الطرق في بعض الحالات ( كما هو حاصل في السنغال ) أن تصبح نقاط ارتكاز وقنوات لنشر سلطة الدولة مقابل حصولها على بعض الامتيازات . ولهذا السبب نجد أنّ التحرّيات الميدانية والسوسيولوجية التي تتيح لنا توضيح الروابط أو الصراعات بين الإسلام الصوفي والحركات الإسلاموية المسيّسة تبدو صعبة ، إن لم تكن مستحيلة . فالأوساط « الصوفية » لا تقبل بمثل هذه الدراسات العملية الجارية على أرض الواقع ، أو لا تفتح أبوابها لها بسهولة ، وذلك أنها تمثّل الإسلام الصامت والحذر . هذا ، على الرغم من أنّنا كنّا نتمنّى لو نستطيع الدخول إليها لمعرفة روحانيتها ومدى علاقتها بالهموم الثقافية للحركة الصوفية الكلاسيكية . ( أركون ، الفكر الإسلامي ، نقد واجتهاد ، 159 ، 27 ) . - بين كلتا النزعتين : الصوفية والوجودية ، صلات عميقة : في المبدأ والمنهج والغاية : في المبدأ لأن كلتيهما تبدأ من الوجود الذاتي ، وتقيم من أحواله مقولات عامة للوجود ، وهي بالتالي تجعل الوجود سابقا على الماهية ضدّ كل فلسفة تصوّرية . « فالأحوال » عند الصوفي هي بمثابة الصفات والكيفيات عند الفيلسوف الطبيعي لأنه لا يعترف بوجود حقيقي غير الوجود الذاتي ، أو هو على الأقل يضع ترتيبا تصاعديّا فيجعل الوجود الذاتي فوق الوجود الفزيائي . ويفرّق بين العلم بالواحد والعلم بالآخر بالتفرقة بين البحث والتألّه : فالأول علم بالوجود الفيزيائي والثاني بالوجود الذاتي . ( بدوي ، الوجودية في الفكر العربي ، 67 ، 1 ) . - إن للصوفية تعبيرا عن الوجود الماهوي هو : « الأعيان الثابتة » . فهم يعرّفونها بأنها « هي حقائق الممكنات في علم الحق تعالى » ، ومن الواضح أن تسميتها « بالأعيان » إنما قصد به توكيد إضافة الوجود الحقيقي إليها ، فهي ليست مجرّد معقولات في عقل اللّه ، بل لها كيانها ووجودها الثابت . ونحن إذا جرّدنا هذا التعريف من مضمونه الديني - ولنا الحق في هذا ، لأن من الممكن دائما في التصوّف تحليل الاعتبارات الدينية إلى اعتبارات إنسانية خالصة - وصلنا إلى تعريف للوجود الماهوي عند هيدجر في صورة أولية ، ولكنها مع ذلك واضحة بدرجة كافية . ( بدوي ، الوجودية في الفكر العربي ، 74 ، 12 ) . - لقد نقلت الصوفية تجربة الوجود والمعرفة من إطار العقل والنقل إلى إطار القلب ، فلم يعد الوجود مفاهيم ومقولات مجرّدة ، وبطلت المعرفة أن تكون شرحا لمعطى قبلي أو تسليما بقول موحى . وهكذا أصبح الوجود حركة من التحوّل أو من الضياع كما يعبّر البسطامي ، حركة لا تنتهي من الضياع في ضياع لا ينتهي ، وأصبحت المعرفة بالتالي معاناة لهذا التحوّل وكشفنا عنه إلى ما لا ينتهي . فأن تعرف هو أن تتحد بالمعروف أي باللّه ، ذلك أن « أدنى صفة العارف أن تجري فيه صفات الحق وجنس الربوبية » وحينئذ لا يبحث الصوفي عن المعرفة ، بل يصبح هو مصدر المعرفة . وكما أنه يقول ، على صعيد الوجود : « أنا ربي الأعلى » فإنه