جيرار جهامي ، سميح دغيم

3152

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

تذهب عميقا إلى حدّ التقديس والعبادة . وبذلك فالسلفية نزعة شديدة الارتباط بالتديّن ؛ موجودة في كل ثقافة أو تعبّد ، وفي كل نسق قيم أو نظم اجتماعية سياسية . وهكذا فإنّنا نرى في السلفية موقفا لم ينفكّ موجودا ، ولن ينطفئ ، ما دام الإنسان يتعبّد وفق دين أو يرتبط بتاريخ . فكلّنا سلفيّون لأنّنا أبناء نظام ديني اجتماعي مؤسّس . . . ما هو إذن المقصود بكلمة سلفية ؟ إنها كلمة ملتبسة ؛ فالمصطلح مترجرج برغم أن الشائع يعني بتلك التسمية تيّارا فكريّا عريضا ، الأعرض والأقدر على تجييش النفوس والتحكّم بالسّاحة العربية وفي بلاد الإسلام الحالي . وذلك التيّار « الجماهيري » شديد القرب من الإنسان « الشائع » الدهمائي ومما هو يوميّ ؛ أو من أكثرية العقول ، ومن السلوك « التقليدي » ، ومن الخصوص والخاص والمحلّي ، الموروث والمعه‌د والمألوف . ( علي زيعور ، الفلسفة في الذات العربية ، 165 ، 2 ) . - من الوجهة الفلسفية ، تقوم السلفية على فلسفة تاريخية أو على فلسفة في التاريخ متفائلة ، بل وفاترة أيضا . إنها ، للمثال ، تتأسّس على مسلّمات ، وتستبدون مسبقات كثيرة أيضا : فالسلفية تؤمن بصورة قطعية بتّاتة ، وبلا إثبات أو بدون تشكّك ، بأنّ الدين لا يتعارض مع العلم ؛ وأن الإنسان عقل وإيمان أو عقل وعاطفة ، فكر وقلب . ومن ثم تنهض على هذه الثنائية ذات الصبغة الجازمة الإطلاقية مصادرات أخرى من مثل : الإسلام الحقيقي والإسلام المتحجّر ، الأصلي والطارئ ، الملائكي والشيطاني . ومن الأفكار الإيديولوجية الكثيرة التي تغذّي تلك المدرسة ، وتنتج عن تلك المدرسة نفسها أيضا ، الإيمان الاستسلامي بأن إيديولوجيتها تصلح لكل الناس ، وتحلّ كل مشكلة ، وتغطّي كل عصر ، وقادرة على إنقاذ البشرية من الدمار الذاتي والثقافة الاستهلاكية والفكر الإلحادي والصراع الدولي . ومع تلك الثقة المطلقة بالمستقبل ، وبالعودة إلى قيادة العالم أو إلى الشروط المؤثّرة الخلّاقة ، تقول لنا تلك المدرسة بأن إيديولوجيتها خالدة ، شمّالة ، تغيّر التاريخ وسيتغيّر المستقبل بمقدار الاقتراب أو الابتعاد عنها . ذلك المنطق الأهوائي ، وفرض وصاية إيديولوجية على الإنسان والدولة ، على الفعل والنظر والموازين والمعيار ، يجعلها تبريرية ، توفيقية . ومن السهل جدّا ، بل صار من المبتذل والسفساف ، تكديس النقد ضدّ التوفيقية في السلفية حيث توقّف الزمن ، وحيث يغيب الحسّ الصيروري وتزدهر أواليات التكييف الناقصة . كما إنه من المبتذل أيضا أن نهيل النقائص الغزيرة على ركيزة أساسية أخرى في السلفية وخاصة عند عبده مفادها فقدان الحس التاريخي ، وعلى الفهم المترجرج جدّا لمصطلح العقل بمقصوداته وطرائقه وحيث معنى العقلانية ملتبّس غير دقيق . ( علي زيعور ، الفلسفة في الذات العربية ، 167 ، 12 ) . - تتحرّك السلفية ، في شتّى تجاربها القديمة وحتى في مستوياتها العديدة الراهنة ، على أرضية القلبي ، على ما هو عقلي معا وإيماني