جيرار جهامي ، سميح دغيم

811

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

ثقافة عربيّة * في الفكر النقدي - ماذا نعني ب « الثقافة العربية » ؟ إننا نعني بها مجموع التراث الفكري المنحدر إلينا من الحضارة العربية الإسلامية في القرون الوسطى . هذه الثقافة التي تسجّل بنفسها بدايتها ومنطلق تشكّلها . وليس هذا المنطلق ولا تلك البداية شيئا آخر غير ما اصطلح على تسميته ب « عصر التدوين » ، عصر البناء الثقافي العام في التجربة الحضارية العربية الإسلامية ، العصر الذي يمتدّ زمنيّا ما بين منتصف القرن الثاني ومنتصف القرن الثالث للهجرة ليشكّل الإطار المرجعي للفكر العربي بمختلف ميادينه . وإذا كان هذا واضحا بالنسبة لعصر التدوين وما بعده فهو أوضح بالنسبة لما قبله ، لأننا لا نعرف شيئا عن الثقافة العربية ، قبل « عصر التدوين » ، إلّا ما تمّ تدوينه في هذا العصر نفسه . ( الجابري ، التراث والحداثة ، 142 ، 11 ) . - إن الثقافة العربية - الإسلامية التي سادت ، إنما هي وحي وعمل بمقتضى الوحي . إنها وحدة نظر وممارسة ، إنها طريقة معيّنة في التفكير ، وطريقة معيّنة في السلوك ، وهي محتوى معيّن . وهذا يعني أن الدين متداخل أو مندمج بالظواهر الثقافية الاجتماعية بحيث لا يمكن وضع حد دقيق يفصل بينها وبينه . فالتراث الشعري العربي هو آن ديني ولغوي . والتراث الديني هو كذلك لغوي وديني . وهكذا يقال في التراث السياسي ، أو الخلقي . ( علي سعيد ، الثابت والمتحول 1 ، 59 ، 2 ) . - الثقافة العربية الحديثة قادت نفسها بنفسها إلى طريق مسدود ، لأنها - وهي المحكومة بالجرح النرجسي - ما أمكن لها أن تطوّر موقفها من ذاتها من موقف دفاعي ( Apologe ? tique ) إلى موقف نقدي . ولا شكّ أن عصر النهضة العربي كان أنجز في مطالع القرن العشرين تقدّما مرموقا على طريق نقد الذات ( تحضر إلى أذهاننا هنا بوجه خاص أسماء قاسم أمين وعبد الرحمن الكواكبي ) . ولكن طغيان الإيديولوجيا في عصر الثورة ، الذي نصّب نفسه قيّما على النهضة وقاد نفسه وإياها في خاتمة المطاف إلى الفشل ، ألغى المشروع النقدي من أساسه ووضع نفسه - بل جنّدها بالأحرى - تحت راية مقولة جديدة : هي التعبئة ، مع كل ما تعنيه التعبئة ، بمفهومها العسكري والجماهيري معا ، من شحذ للانتماء الجماعي ومن إنامة للحسّ النقدي . ( طرابيشي ، النهضة والردة ، 83 ، 1 ) . - إن الثقافة العربية تحوي في أعماقها شروط تخطّي المنطق الشكلي ، تعرف التجربة الوجدانية السابقة على الوعي بجدلية الكون والممهّدة له ، تلك التجربة التي أتاحت للغرب أن يكتشف الجدل . إن الأشكال التعبيرية ، المجازات ، البنية الذهنية ، كل ما قاد العقل الغربي إلى إدراك جدلي لذاته موجود بكيفية أو بأخرى في تراثنا الثقافي . يلزم فقط أن يؤوّل ويستحضر من جديد في ضوء تجربتنا الراهنة . وحتى لغو ابن عربي فله منفعته إذ يعلّمنا الحذر والاحتراز ، ضرورة التعالي عن البداهة مع الوعي بها