جيرار جهامي ، سميح دغيم

709

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

هذه الممارسة كانت مناسبة ثمينة لكبار المفسّرين لتقديم رؤى ميتافيزيقية متميّزة عن النصّ . والتفسير كما يدلّ عليه اسمه شرح وتوضيح للنصّ من أجل تعليمه للآخرين ، أو أنه ممارسة قولية لإظهار مكنون النصّ . ولذلك فهو يفترض منذ البداية ضربا من التبنّي للنصّ المشروح وللمذهب الساري فيه . التفسير إذا لصيق بنص فعّال ، ومن ثم تكون العلاقة به علاقة فعل بانفعال . لكن التفسير في الوقت نفسه ليس متابعة عقيمة للنص ، أو مجرّد مسلك تبليغي بيداغوجي من بين عدّة مسالك ، بل إنه يحمل رؤيا فلسفية تفسّر اختيار المفكّر للتفسير دون غيره من الأجناس الأدبية كأسلوب لقراءة العالم . والتفسير أيضا بحث عن نظام النصّ ، وتبرير لترتيبه ، ودفاع عن دعواه . لكن التفسير مرتبط كما قلنا بالتعليم ، وهذا ما يفسّر وجود أجناس متعدّدة له تناسب مرتبة التعليم ونوع الجمهور الموجّه إليه ذلك . ومن هنا يمكن القول بأن التفسير بطبيعته مضادّ للنقد ، ومع ذلك فإنه قد يفاجئنا بلحظات نقدية مشرقة تعد بتحوّلات مذهبية هائلة . ( محمد المصباحي ، حداثة ابن رشد ، 72 ، 20 ) . - التفسير بحث عن المعنى الموجود داخل النص ، إنه ممارسة دلالية ، وهي تلك الممارسة التي تربط الأسماء بموضوعاتها ، وبأسماء مجاورة لها ، وبتاريخ الدلالي يكون بالتساؤل عمّا إذا كانت الأسماء تدلّ دلالة تواطؤ في الاسم والماهية ، أو دلالة اشتراك في الاسم دون الماهية ، أو أنها تدلّ دلالة تقديم وتأخير أو دلالة تناسب . إن التفسير هو محاولة لفهم النص عن طريق إنتاج أشكال متباينة من المطابقة بين الأسماء والموضوعات الموجودة في النص . معنى ما سبق أن التفسير باعتباره ممارسة دلالية لا يوجد إلّا على مستوى النصّ ، لا على مستوى الواقع ، بخلاف « الممارسة المعرفية » التي هي رغبة في معرفة الأشياء والواقع عن طريق قضايا وأحكام وأطروحات ونظريات ، أي إنها بحث عن ضروب التطابق بين الأقوال والأشياء من أجل الوصول إلى الحقيقة لا إلى المعنى كما هو الأمر بالنسبة للممارسة الدلالية . ( محمد المصباحي ، حداثة ابن رشد ، 73 ، 16 ) . - يمكننا أن ندّعي أن التفسير هو تكريس للنص في وضع متعال عن الزمن ؛ إنه إحجام عن تجاوز النص إلى زمنه وزمن المفسّر ، وعن التقدّم خارج النص ومكانه . لكن التفسير في واقع حاله ، وبالرغم من النيّة الواقفة وراءه ، هو تحيين للنصّ بما يوافق مطالب المفسّر في زمن التفسير ، لأنه لولا مطلب التحيين هذا لما كان لفعل الشرح أن يكون ، ولما كان له معنى . هكذا يصبح للنصّ زمن بعد أن كان ذا طبيعة أزلية تحلّق به خارج الزمن . ( محمد المصباحي ، حداثة ابن رشد ، 81 ، 15 ) . * تعليق * في الفكر النقدي - بات التفسير اليوم يشكّل لولب عملية فكرية مركّبة ، يواكبه الشرح والتشريح ، التبيين والإيضاح ، الفهم والتأويل لمعظم معاني النص وأبعاده . يحمل صاحبه رؤية ما ، لا