جيرار جهامي ، سميح دغيم

44

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

الإنسان الدفاع عن نفسه وترتيب علاقاته مع الآخرين . لأجل ذلك أصبحت السلطة ضرورية لانتظام الاجتماع البشري ، وهذا ما نسمّيه بضرورة وجود « السياسي » في « الاجتماعي » . لذا فإن قيام السلطة يكتسي عدّة أوجه مختلفة باختلاف طبيعة المجتمعات البشرية . نعتبر نظرة ابن خلدون إلى الاجتماع البشري وأسبابه علمية واقعية ، حاول من خلال قراءته للظواهر الاجتماعية أن يستنتج القوانين المتحكّمة بمسار هذه الظواهر . لذلك تندرج آراؤه في الاجتماع البشري تحت مقولة « فلسفة العلوم الاجتماعية » ، والتي تنظر إلى الظواهر الاجتماعية كواقعات علمية يمكن دراستها واستقراء تحرّكها من خلال قوانين علمية . وبهذا أصبح علم العمران ( الاجتماع ) لدى ابن خلدون علما يخضع لقوانين ثابتة تتحكّم به كما الظواهر العلمية . اجتماع إنسانيّ * في العلوم الاجتماعية والسياسية - كل واحد من الناس مفطور على أنّه محتاج ، في قوامه ، وفي أن يبلغ أفضل كمالاته ، إلى أشياء كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها كلّها هو وحده ، بل يحتاج إلى قوم يقوم له كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه . وكل واحد من كل واحد بهذه الحال . فلذلك لا يمكن أن يكون الإنسان ينال الكمال ، الذي لأجله جعلت له الفطرة الطبيعية ، إلّا باجتماعات جماعة كثيرة متعاونين ، يقوم كل واحد لكل واحد ببعض ما يحتاج إليه في قوامه ، فيجتمع مما يقوم به جملة الجماعة لكل واحد جميع ما يحتاج إليه في قوامه وفي أن يبلغ الكمال . ولهذا كثرت أشخاص الإنسان ، فحصلوا في المعمورة من الأرض ، فحدثت منها الاجتماعات الإنسانيّة . ( الفارابي ، آراء أهل المدينة الفاضلة ، 96 ، 10 ) . - حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم ، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحّش والتأنّس والعصبيات وأصناف التغلّبات للبشر بعضهم على بعض ، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها ، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع ، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال . ( ابن خلدون ، المقدمة 1 ، 328 ، 5 ) . - الاجتماع الإنساني ضروري . ويعبّر الحكماء عن هذا بقولهم : « الإنسان مدني بالطبع » ؛ أي لا بدّ له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم وهو معنى العمران . ( ابن خلدون ، المقدمة 1 ، 337 ، 5 ) . * في التاريخ - يريد ( ابن خلدون ) أن يجعل من التاريخ أداة كشف عن سر « الاجتماع الإنساني » ، وعن خروج هذا الإنسان من « التوحّش إلى التأنّس » بفضل الصراع الجدلي الذي يعبّد سبيله ، عبر عقبات متجدّدة ، نحو أنسيّة أكمل ، عن طريق الرقي المستمرّ الناشئ حتما عمّا « ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم