جيرار جهامي ، سميح دغيم
608
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
الأصول الأولى التي صدر منها التراث تسمح بهذا التعدّد لأن الواقع هو أساسها الذي تكوّنت عليه . ليس التراث مجموعة من العقائد النظرية الثابتة والحقائق الدائمة التي لا تتغيّر بل هو مجموع تحققات هذه النظرية في ظرف معيّن ، وفي موقف تاريخي محدّد ، وعند جماعة خاصّة تضع رؤيتها ، وتكوّن تصوراتها للعالم . ( حسن حنفي ، التراث والتجديد ، 15 ، 1 ) . - أول ما يجب نقده هو مفهوم التراث نفسه . فهو عدا أنه غامض ، ترى الثقافة التقليدية السائدة أنه بمثابة جوهر أو أصل لكل نتاج لاحق . وفي تقديري أنه لا يصح النظر إلى التراث إلّا في منظور الصراعات الثقافية والاجتماعية التي شكلت التاريخ العربي . وفي هذا المنظور لا يصح أن نقول إن هناك تراثا واحدا ، وإنما هناك نتاج ثقافي معيّن ، يرتبط بنظام معيّن ، في مرحلة تاريخية معيّنة . وعلى هذا ، فإن ما نسمّيه تراثا ليس إلّا مجموعة من النتاجات الثقافية - التاريخية التي تتباين حتى درجة التناقض . لذلك لا يصح البحث في التراث كأصل أو جوهر أو كل ، وإنما ينبغي البحث في نتاج ثقافي محدّد ، في مرحلة تاريخية محدّدة . واستنادا إلى هذا البحث ، يتحدّد الموقف . هناك حتى ضمن المرحلة التاريخية الواحدة ، مستويات وأنواع للنتاج الثقافي ، لا يجوز أن توضع على مائدة واحدة في صحن واحد . البحث في الفقه مثلا غيره في الشعر ، أو في الفلسفة . والبحث في هذه غيره في الفن المعماري أو الموسيقي . ( علي سعيد ، الثابت والمتحول 3 ، 228 ، 11 ) . - إن مفهوم « الآلية » في التراث يتضمّن حقائق ثلاثا : أولاها : أن المعرفة التراثية معرفة خادمة تقوم بوظيفة التوسّل وبشرائط ما أسميناه « الحقيقة الإسلامية العربية » ؛ والثانية : أن المعرفة التراثية معرفة عملية تنبني على مبدأ الإجرائية وتمارس تقويم السلوك وتنقل مضامينها إلى حيّز التطبيق ؛ والثالثة : أن المعرفة التراثية معرفة منهجية تتحدّد بطرق الناظر وطرق المناظر مع غلبة طرق التناظر . ( طه عبد الرحمن ، منهج تقويم التراث ، 87 ، 10 ) . - من التراث ما هو تقدّمي معاصر ، ومنه ما هو رجعي ؛ في الفكر الذي وصلنا من التراث ، هناك ما هو مادي ومستبق لأفكار اليوم ، وهناك ما هو مثالي . أما اعتبار ما مات من التراث وما زال حيّا ، ما أضحى ذا قيمة متحفية بحتة وما زال فاعلا - أي اعتبار اليوم بخصائصه المستقلّة عن الأسس - فهذا لا يبدو بالأمر الهام فعلا لأصحاب الماركسية الرسمية . فالماضي مصاغ ليس في استقلاله عن اليوم ، ولا في ارتباطه باليوم ( وهذا بحدّ ذاته سؤال كبير ) ، بل باعتباره دليلا للمستقبل واستباقا لما هو آت وما هو حق ، وذلك انطلاقا من فهم للماضي تحدّده غائية طاغية ، تصوغ الماضي بصيغة المستقبل الذي مضى ، حسب عبارة ألتوسير . أما اليوم ، فهو مجرّد نقطة عبور بين أمس مختلط القيمة وغير ناصعها ، نقطة تجري الإشارة إليها لفظا ولو أنها ، عمليّا تبدو مشاعا لمن يرون استباحتها ، إذ هي مجال السياسة اليومية