جيرار جهامي ، سميح دغيم
574
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
تجربة وجوديّة * في الفكر النقدي - إن أول ما تتميّز به التجربة الوجودية هو انبثاق الذاتية ، بصورة جديدة فريدة في تاريخ الفلسفة . ولا شكّ فإن تاريخ الفلسفة ذاك ما هو إلّا سلسلة لا تنتهي من الادّعاءات بأن كل مذهب إنما يتكلّم باسم الحقيقة ، وأن الهدف الأصيل لكل تفكير هو كشف الواقع ، الذي لن يكون واقعا بالمعنى الصحيح إلّا إذا أمكن البرهان عليه ، وبالتالي صدقت به مختلف العقول . ( مطاع الصفدي ، فلسفة القلق ، 31 ، 2 ) . تجرّد تأريخي * في اللّغة - راجع مصطلح « تجريد » . * في التاريخ - ليس التجرّد صفة سلبية فحسب . ليس هو التخلّص من كل شعور أو فكر أو معتقد . فما من شخص يستطيع ذلك عمليّا ، وإن هو استطاع ، فلن يأتي عمله بأفضل النتائج وأخصبها . وإنما للتجرّد في التأريخ معناه الإيجابي ، وهو أن يتمكّن المؤرّخ بما له من دقّة شعور وحدّة بصيرة من أن ينفذ إلى أعماق الأفراد والجماعات في الماضي فيحسّ أحاسيسهم ، ويتلمّس أهواءهم ، ويختبر ميولهم ورغباتهم ، وآمالهم وأمانيهم ، والظروف التي كانت تحيط بهم ، وتأثّرهم بهذه الظروف وتأثيرهم فيها . ( قسطنطين زريق ، نحن والتاريخ ، 99 ، 13 ) . - التجرّد التأريخي المثمر إيجابي بمعنى آخر . فالمؤرّخ الحق لا يحيا الماضي فحسب ، بل يعيش الحاضر أيضا ويختبره في نفسه وينطق بلغته وروحه ، ولا يمكن أحدا أن يطلب منه - ولا يسوغ له أن يطلب هو من نفسه - أن يتخلّى عن معتقداته الأساسية ومواقفه الفكرية الأصلية . وهذه المعتقدات والمواقف تؤثر ، كما قلنا ، في حكمه في الماضي ( وفي ما ينطوي عليه هذا الحكم من اختيار وتنسيق للأحداث ومن تعليل لعواملها ) . ولكنه يدرك تماما أين ينتهي إحياء الماضي وأين يبدأ الحكم فيه ، فلا يمزج العملين ولا يخلط بين الوظيفتين . فالتجرّد بهذا المعنى الثاني هو إذن ليس التخلّص التام من الحاضر ، أو من أية مبادئ أو معتقدات أو مواقف منبعثة منه ، وإنما هو معرفة الحدّ بين الاختبارين - اختبار الحاضر واختبار الماضي - ووظيفة كل منهما ، وعدم السماح لأي منهما بأن يطغى على الآخر ، بل بالعكس - وهنا الوجه الإيجابي الجديد للتجرّد - السعي إلى تقابلهما وتفاعلهما بحيث يحتفظ كل منهما باستقلاله ويقوى ويغنى بالآخر . ( قسطنطين زريق ، نحن والتاريخ ، 100 ، 12 ) . * تعليق * في التاريخ - التجرّد بالمعنى العام هو الموقف الحيادي والموضوعي . ولكنك عندما تتعاطى مع أحداث يجب أن تمتلك الإحساس الذي يجعلك تشعر مع الآخرين لكي تفهمهم سواء