جيرار جهامي ، سميح دغيم
549
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
لحادث سياسي مثلا ، لا يصدر حكما باستحسان ما حدث أو استهجانه إلّا في أحوال نادرة ، وإنما يحاول عادة أن يعيد تركيب صورة الماضي على أدقّ نحو ممكن ، وينظر إليه من حيث هو بعيد ومنفصل عنه . ذلك هو طابع التاريخ بمعناه العام ، أما التاريخ الفلسفي فهو في أساسه جدلي خلافي ، وقد يؤدّي ذلك في أحيان غير قليلة إلى فقدان صفة الموضوعية فيه تحقيقا لأغراض الخلاف والجدل . ويمتدّ هذا الجدل إلى أقدم النظريات والمذاهب الفلسفية ، أي إنه لا يقتصر على المذاهب القريبة العهد كما هي الحال في الجدل العلمي . وفي كل الأحوال يحرص مؤرّخ الفلسفة على الحكم على ما يعرضه من المذاهب ، ومقارنة بعضها ببعض ، ولا يكتفي أبدا بالعرض الموضوعي ، وإلّا اتّسم عمله بالنقص والتقصير . ( فؤاد زكريا ، الفكر والثقافة ، 196 ، 7 ) . - إن تاريخ الفلسفة واحد ، فلماذا تختلف إذا طرق تفسيره ؟ قد يكون هناك أكثر من سبب لهذه الظاهرة . فربما كان من أسبابها ذلك التعقّد الملحوظ في مجرى تاريخ الفلسفة ، وصعوبة استنفاد ما يتخلّله من العلاقات المعقّدة المتشابكة بين الأشياء والظاهرات . غير أن السبب الأبرز تأثيرا - في منظورنا - هو اختلاف الأهداف غير المباشرة لدى مؤرّخي الفلسفة . وهذه الأهداف لا يصحّ النظر إليها كأهداف فردية ذاتية ، لأن الملحوظ في طرق تفسير التاريخ الفلسفي ، عند تصنيفها تصنيفا علميّا ، أن وجوه الاختلاف بينها تنقسم إلى تيّارات ومدارس ، لا إلى آراء فردية خاصة . ( حسين مروّه ، النزعات المادية 2 ، 19 ، 19 ) . - لو حق لنا أن نختصر تاريخ الفلسفة في عبارة جامعة ، لقلنا إنه تاريخ اللقاء بين العقل والوجود ، أو بالأحرى إنه تاريخ اللقاء بين عقلين ، عقل سار في الوجود وعقل قارئ له ، عقل يضمن نظام الأشياء وقوامها ، وعقل يشحن الأسماء بالدلالات ويسبك الماهيات في مفاهيم ومصطلحات . إلّا أن العقل في محاولة اقترابه من الموجود قد ينقلب عن غير قصد إلى خصم له ، فيحاول إخضاعه لشروطه الخاصة ، فيتحوّل فعل الاقتراب إلى فعل للإخضاع . وليس فعل إخضاع الموجود لمقتضيات العقل وما ينشأ عنه من توتّر سوى تاريخ الفلسفة الفعلي . ومن ثمّة كان تاريخ الفلسفة هو تاريخ تعبئة الموجود في مفاهيم مجرّدة ، أي تاريخ ابتعاد العقل عن الموجود المشار إليه ، أو هو على حدّ تعبير هيدجر تاريخ نسيان الوجود . بيد أن تاريخ الفلسفة هو في الآن نفسه تاريخ الشوق العارم للإحاطة بالموجود وامتلاك ناصيته ، تاريخ مقاومة نسيان الوجود والخشية من التفريط في معناه ، لأنه متى كانت الفلسفة حيّة في كيان ثقافي ما ، كان ذلك دليلا على حضور الوجود فيه ، في حين يكون التفريط في الفلسفة ونبذ أقوالها علامة على ضياع الوجود منه . ( محمد المصباحي ، تحولات الوجود والعقل ، 5 ، 3 ) . - إن عبارة « تاريخ الفلسفة » تبدو للوهلة الأولى عبارة متوتّرة الأبعاد ، لأنها تضمّ في جوفها