جيرار جهامي ، سميح دغيم
550
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
حدودا متضادّة : حدود الزمن ( التاريخ ) والدلالة ، العلم والفلسفة ، الحال والمطلق . الأمر الذي تنشأ عنه جملة من العلاقات المتنوّعة والمتضاربة أحيانا ، كعلاقة العلّية ، وعلاقة الإضافة ، وعلاقة التضاد ، وعلاقة التفاعل . وكل هذه الأبعاد والعلاقات تلتقي على ساحة واحدة هي ساحة النص الفلسفي . ويمكن إرجاع ممارسة هذه الصناعة النظرية ، صناعة تاريخ الفلسفة ، إلى عاملين : تاريخي وفلسفي . ولا ريب أن العامل التاريخي هو الذي يشكّل الجانب العلمي من « تاريخ الفلسفة » ، إذ هو الذي يتكفّل بتقديم المادة المعرفية لعملية التأريخ والتي تتكوّن أساسا من أسماء ودلالات وشكوك ومناهج ونظريات . فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن عناصر هذه المادة المعرفية لا توجد إلّا في نصوص ، حقّ لنا أن نعتبر النص هو مادة تاريخ الفلسفة وموضوعه . وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن كل ممارسة حقّة لتاريخ الفلسفة هي التي تأخذ أول ما تأخذ على عاتقها العناية بالنصوص تحقيقا وتحليلا ، بالنظر إلى كونها هي البيئة اللغوية والدلالية والإشكالية لميلاد القول الفلسفي . وعلى هذا النحو يمكّن « تاريخ الفلسفة » من فرصة الالتقاء بالفلسفة ، أي بالاحتكاك والتواصل المباشر بالنص الفلسفي في ذاته ، لا بما قبله أو بما قبل تاريخه أو بشروطه المتعالية . ( محمد المصباحي ، تحولات الوجود والعقل ، 314 ، 13 ) . - تتراءى أمامنا إحدى مفارقات « تاريخ الفلسفة » . فإذا كان المقصود من الفحص « التاريخي » من تاريخ الفلسفة هو ربط الاتصال الزمني مع الماضي الفلسفي ، فإن المؤرّخ مضطرّ في ممارسته الفعلية إلى الانفصال عن النص المفحوص ، طلبا للموضوعية في التعبير عن حقيقة المادة المعرفية الموجودة في داخله . وفي المقابل ، لئن كان مطمح النظر « الفلسفي » من تأريخ الفلسفة هو القطع مع الزمن الذي أنتج النص والتحليق خارجا عن حيثياته التاريخية من أجل مخاطبة الإنسان بما هو إنسان ، فإنه مدعو ، أثناء هذا النظر ، إلى إلغاء المسافة مع التاريخ على نحو يستطيع معه التواصل الحي مع منتجي الدلالات والتحاور معهم ، وربما محاججتهم دفاعا عن دلالة انبثقت في خضم هذا الحوار بالذات . ومع ذلك ، لا بدّ من الإقرار بأن زمن « النظر الفلسفي » ليس هو زمن « التعقّب التاريخي » . فهذا الأخير جزئي متحرّك ، في حين يتميّز الزمن الفلسفي بأنه مطلق ، يتجاوز الحدث في جزئيته ، لأنه ينظر إلى الدلالة في ذاتها . من ناحية أخرى لا يمكن أن تكون علاقة الزمني بالفلسفي ، في تاريخ الفلسفة ، علاقة بسيطة ولا واحدة الجانب ، وذلك بسبب أن الزمني يحيل إلى مرجعيات متنوّعة . إذ إنه يمكن النظر إلى دلالة اسم إما من خلال زمن نص واحد بعينه ، أو عبر مجموعة نصوص لفيلسوف واحد ؛ أو عبر نص أو جنس قولي واحد لفلاسفة ينتمون إلى تيّار واحد ، أو زمن واحد ، أو عدّة تيّارات وأزمنة متباينة ؛ أو النظر إلى تلك الدلالة الواحدة من خلال عدّة متون لعدّة فلاسفة . ( محمد المصباحي ، تحولات