جيرار جهامي ، سميح دغيم
548
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
خاصة تتجاوز العناصر الفكرية التي قد تتكوّن منها وتضفي عليها معنى خاصّا يتفرّع منها ؛ ثالثا ، أن الشيء الأساسي ليس الأفكار الفردية التي تتكوّن منها النظرية أو المذهب بل التركيب الذي ينسّقها حول الأطروحة الأساسية التي ينطلق منها ، أو النمط العام الذي يعبّر عنه ؛ رابعا ، أن معنى هذه الأفكار أو الأطروحة نفسها يرتبط بالأوضاع التاريخية التي تظهر فيها وتتفاعل معها ؛ خامسا ، أن هذه الأفكار تجد قيمتها ، خصوصا عندما تكون جزءا من نظرية أو مذهب سياسي ، في قدرة النظرية أو المذهب على ترجمتها عمليّا إلى الواقع . هذه الوقائع هي التي تفسّر ، مثلا ، ظاهرة تطالعنا باستمرار في دراسة التاريخ الفكري وهي أن قراءة كتب مفكّر أو فيلسوف ما تقود في كثير من الأحيان إلى نتائج أو تطلّعات تختلف عن المقاصد التي كانت في ذهن المؤلّف ، وأن كل مفكّر كبير مارس فاعلية جدّية في تكوين التاريخ الفكري أو السياسي كان ينفتح لتفاسير واتّجاهات متباينة أو متناقضة تعبّر عن ذاتها في سياقات فكرية مختلفة . ( نديم البيطار ، المجتمع الجديد ، 14 ، 5 ) . تاريخ الفلسفة * في الفكر النقدي - تاريخ الفلسفة جزء لا يتجزّأ من الفلسفة ذاتها ، حتى ليمكن القول إنه لا قيام للفلسفة بغير تاريخها . ذلك لأن الأفكار الفلسفية لا تعرض في كثير من الأحيان إلّا من خلال عرض تطوّرها ، وهذا العرض ذاته يؤلّف فلسفة بالمعنى الكامل لهذه الكلمة . وإذن ، فهناك ارتباط لا ينفصم بين الفلسفة وتاريخها . والدافع الذي يدعونا إلى البحث في تاريخ الفلسفة هو دافع فلسفي أكثر منه دافعا تاريخيّا . وليس هدف الباحث في تاريخ الفلسفة هو مجرّد إكمال معلوماته العلمية ، أو التوسّع في جانب إضافي ثانوي الأهمية من جوانب بحثه ، بل إن هذا الهدف يتّصل أوثق الاتصال بصميم التفكير الفلسفي ، منظورا إليه في تطوّراته الماضية . . . . ومن جهة أخرى فإن التاريخ الفلسفي يعود فيؤثّر في التفلسف ذاته تأثيرا عميقا . ذلك لأن الفيلسوف لا يستطيع ، في معظم الأحيان ، أن يتجاهل المذاهب الفلسفية القائمة بالفعل ، بل يجد لزاما عليه أن يسوّي حسابه مع التطوّرات الماضية للفكرة التي يتناولها بالبحث ، ويحدّد موقفه وموقعه منها ، فإما أن يتأثّر بمذهب من المذاهب السابقة ، وإما أن ينقده ويقف منه موقفا سلبيّا متشكّكا ، وإما أن يأتي برأي جديد بعد هذا النقد . وهكذا تتحدّد معالم التفلسف من خلال عملية الجذب والتنافر التي يشعر بها المفكّر إزاء المذاهب السابقة . . . والحق أن وجود هذا النقاش والجدل والخلاف هو ذاته من السمات التي تميّز التاريخ الفلسفي من كل أنواع التاريخ الأخرى . ذلك لأن التاريخ ، في معناه العام ، يتجنّب المناقشات والخلافات قدر إمكانه : فهو يبذل قصارى الجهد من أجل عرض الوقائع الماضية عرضا موضوعيّا هادئا ، لامكان فيه للنزاع أو لمحاسبة الماضي . وحين يعرض المؤرّخ