جيرار جهامي ، سميح دغيم
523
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
من جعله عبارة عمّا تحصل به المعرفة في ما يحتاج إلى المعرفة ، أعني الأمور التي ليست ضرورية ، وهو الدليل ؛ فقال في حدّه : إنه الدليل الموصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بما هو دليل عليه ، وهو اختيار القاضي ؛ ومنهم من جعله عبارة عن نفس العلم وهو تبيين الشيء ، فكأن البيان عنده والتبيين واحد ولا حجر في إطلاق اسم البيان على كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة ، إلّا أن الأقرب إلى اللغة وإلى المتداول بين أهل العلم ما ذكره القاضي ؛ إذ يقال لمن دلّ غيره على الشيء : بيّنه له - وهذا بيان منك ، لكنه لم يتبيّن ، وقال تعالى : هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ ( آل عمران ، 3 / 138 ) وأراد به القرآن . وعلى هذا فبيان الشيء قد يكون بعبارات وضعت بالاصطلاح ، فهي بيان في حق من تقدّمت معرفته بوجه المواضعة ؛ وقد يكون بالفعل والإشارة والرمز إذ الكل دليل ومبين ، ولكن صار في عرف المتكلّمين مخصوصا بالدلالة بالقول . فيقال : له بيان حسن ، أي كلام حسن رشيق الدلالة على المقاصد . واعلم أن ليس من شرط البيان أن يحصل التبيين به لكل أحد ، بل يكون بحيث إذا سمع وتؤمّل وعرفت المواضعة صحّ أن يعلم به ، ويجوز أن يختلف الناس في تبيين ذلك » . ( مصطفى عبد الرازق ، الفلسفة الإسلامية ، 238 ، 17 ) . * في الفكر النقدي - البيان كفعل معرفيّ هو الظهور والإظهار والفهم والإفهام ، وكحقل معرفيّ هو عالم المعرفة الذي تبنيه العلوم العربية الإسلامية « الخالصة » ، علوم اللغة وعلوم الدين . وتتركّز الممارسة النظرية داخله على وضع قوانين لتفسير الخطاب المبين ، الخطاب القرآني أساسا ، واقتراح « مقدّمات عقلية » لتأسيس مضمون ذلك الخطاب ، مضمونه الديني خاصة ، تأسيسا « عقليّا » : جدليّا ، حجاجيّا . والبيان كنظام معرفي هو جملة من المبادئ والمفاهيم والإجراءات التي تعطي لعالم المعرفة ذاك بنيته اللاشعورية : أعني المحدّدات والسلطات التي تحكم وتوجّه المتلقّي للمعرفة المنتج لها ، داخل الحقل المعرفي البياني ، دون أن يشعر بها ، دون أن يختارها . وقد محورنا تحليلنا لهذه المبادئ والمفاهيم والإجراءات حول ثلاثة أزواج معرفية رئيسية هي : اللفظ / المعنى ، الأصل / الفرع ، الجوهر / العرض . الأول والثاني يحدّدان منطلقات التفكير ومنهجه ، والثالث يؤسّس الرؤية ويؤطرها . ( الجابري ، بنية العقل العربي ، 556 ، 19 ) . - المقصود ب « البيان » هو : الخطاب القرآني الذي نزل بلغة العرب ووفق أساليبها في التعبير والإفصاح . والهدف : تقنينه ، أي تحديد علاقة المبنى بالمعنى فيه انطلاقا من أن البيان أصول وفروع ، وأن العلاقة بين الأصول والفروع تضبطها المعرفة باللغة العربية ، وأن التباس هذه العلاقة وتشعّبها إنما يحصل « عند من يجهل لسان العرب » . أما مجال الاهتمام فمحصور في دائرة الشريعة ، دون العقيدة ، وإن كانت التحديدات المستخرجة من الخطاب القرآني نفسه ينسحب أثرها على المجالين معا .