جيرار جهامي ، سميح دغيم

431

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

القائم الذي يمثّل آنذاك تناقضا جذريّا مع تلك الحقيقة العليا والتطلّعات الأخلاقية التي تقترن بها وتترتّب عليها ، ويدعو الإنسان إلى إدراك ذاته ككائن تصاعدي ، كائن قادر أن يعلو على الواقع الذي يحيا فيه . الشر الميتافيزيقي الذي يكشف عن الوضع الإنساني الذي يحياه يدفع به إلى معالجته بحقيقة من هذا النوع . هذه الحقيقة قد تنطلق من مواقع مختلفة وتطلّ علينا بوجوه متباينة ، ولكنها تتطلّع دائما إلى تحرير الإنسان بقدر ما ، بشكل ما ، من هذا الشر . ( نديم البيطار ، المجتمع الجديد ، 301 ، 13 ) . - إن الإنسان هو عوالمه الرمزية ونتاجاته المادية ، بقدر ما هو في الوقت نفسه قدرته على وضع نتاجاته وحصائله ، من أفكار وأقوال أو من أفعال وممارسات ، موضع النقد ، للفحص والمساءلة ، أو للتقييم والمراجعة ، وعلى النحو الذي يتيح له تجاوز الحدود بمعرفة حدوده ، أو الخروج من العجز بكشف آليات عجزه ، أو التغيّر عما هو عليه ، بتشخيص واقعه ، أي بكشف ما هو عارض أو حادث أو اعتباطي أو نسبي أو محايث فيما وراء المتعالي والكلي والضروري والمطلق . وتلك هي المفارقة : فالإنسان المتناهي يمتلك إمكانيات لا تتناهى بالفكر الذي هو هبته ، الفكر بما هو قلق وتوتّر ، أو تقليب وتشعيب ، أو توسيع وتطوير ، أو إغناء وإثراء ، أو صرف وتحويل ، أو خلق وتبديل . ( علي حرب ، حديث النهايات ، 83 ، 25 ) . - السؤال المزمن من « أنا » لم يعد هو الصيغة التي يرتضيها إنسان اليوم . فإن هذا الإنسان قد وعى عبر تطوّر الفكر في مراحله المختلفة أن حضوره في هذا العالم لا يتوكّد إلّا من خلال ما يقوم به هو من أفعال . هذه الأفعال وكيفية تفسيرها ، وما هي المعايير التي تتحكّم بها ، أصبحت الشغل الشاغل للإنسان المعاصر . والحقّ يقال إن المسألة كلها ترتدّ إلى معنى الحضور الإنساني في هذا العالم . هل هو حضور ساكن يندرج ضمن أفعال الطبيعة ؟ أم إنه حضور فاعل ، محايث للفعل الإلهي ؟ إن الصيغة التي يجب أن يتصرّف بها الإنسان تجاه الأعيان والكائنات ووجدانه لها ، هي في أساس طرح المسألة بصيغتها الجديدة . فالإنسان لم يعد يقف أمام هذا العالم موقف المتفرّج الساكن ، المترقّب لصيغة يمكنه الانضواء تحتها تحقيقا لإنّيّته ، بل هو يرى أن هذه الإنيّة تتحقّق بما يقوم به من أفعال ، إنه فاعل وبالتالي مشارك للفاعل المطلق . إن التأكيد على صفة الفاعلية في الإنسان هي حقيقة راهنة ، بل هي أساس الحقيقة . فنحن لا نحكم على إنسان اليوم إلّا من خلال أفعاله . إن القدر هو أساس الكون ، لأنه لا معنى للكون ما لم يتحقّق في أنماط سلوكية معيّنة ، أي في أفعال . فالفعل هو الذي يؤكّد حضورنا في هذا العالم ، وليس في ذلك منازعة بين أفعال اللّه وأفعال الإنسان بل إن الثانية صورة تمظهر الذات الإلهية الفاعلة في مخلوقاتها . ( سميح دغيم ، فلسفة القدر ، 31 ، 27 ) . - الإنسان ، أو القيمة ، ليس موضوعا يخضع لما هو تجريبي وعلمي ، أي هو لا يردّ إلى