جيرار جهامي ، سميح دغيم

373

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

في انطلاقة اللفظة هما : الأصل ، والجمع بمعنى الوحدة المجتمعة ، أي الجنس منطقيّا . الأم تكون للحيوان الناطق وللموات النامي ، كأم النخلة والشجرة . . . وأم كل شيء أصله وعماده ، قال ابن دريد : كل شيء انضمّت إليه أشياء ، فهو أم لها . وأم الكتاب : فاتحته لأنه يبتدأ بها في كل صلاة . وفي التهذيب يجمع الأم من الأدميات أمهات ، ومن البهائم أمّات . . . . أما المفهوم الثاني فهو يدور حول الهدف والطريق والجمع ، وهو مدلول لاحق على التجربة المحسوسة في استخدام اللفظ . فالأم بالفتح : القصد ، وأمّه يؤمّه أمّا إذا قصده ، وفي حديث ابن عمر : من كانت فترته إلى سنة فلأم ما هو ، أي قصد الطريق المستقيم . والأمّة : الحالة . والأمّة : الشرعة والدين . . . وملخّص سبر اللسان نصل إلى ما يلي : الأمّة - المنبت - القصد والطريق والدين - الجنس المجرّد . . . الأمّة بوضوح تدلّ على الأجناس والأنواع التي يتشكّل منها الحيوان . إن الغور في قاع المعنى الدلالي للفظ يؤكّد أن كثرة دلالاته تجتمع على ما يقابل لفظ الجنس منطقيّا ، على أن طابع هذا الجنس الشامل للأفراد سقف فكري ودعوة نبويّة . ( رفيق العجم ، المجتمعية الإسلامية ، 30 ، 22 ) . - الأمّة تجربة رحمانية مثالية . الأمّة عقيدة . الأمّة إلهام ذو نظام . الأمّة منظومة متلازمة الأجزاء . هذه العبارات كلها ( لزكي الأرسوزي ) تؤدّي المعنى نفسه من حيث إن الأمّة تشكّل تجلّيا من تجلّيات الحياة . ( ناصيف نصّار ، الاستقلال الفلسفي ، 176 ، 1 ) . * تعليق * في العلوم الاجتماعية والسياسية - إن الوثيقة النبويّة التي تسمّى « بدستور المدينة » والتي اختطّها الرسول لترتيب العلاقات بين المسلمين بعضهم مع بعض ، وبين المسلمين وباقي الأديان من نصارى ويهود ، فيها يتحدّد معنى الأمّة . لم يستثن الرسول من مفهوم الأمّة في وثيقته هذه باقي الأديان ولم يقصرها على المسلمين فقط ، بل قصد من ذلك المؤمنين جميعهم ، أمسلمين كانوا أو غير مسلمين . لكنّه ميّز في ذلك بقوله إن اليهود أمّة من المؤمنين لهم دينهم وللمسلمين دينهم ، وإذا ما أدّوا ما عليهم من أحكام فإنهم من ضمن هذه الأمّة . إذا التمييز في الأمّة واقع أساسا ، ويرتفع عند تحديد ما يجب على اليهود من أحكام شرعيّة . فأمر التدبير يضعهم ضمن الأمّة ، وأمر الاعتقاد يضعهم خارج هذه الأمّة ، ولا يسقط التمييز إلّا بحدود ما وضع من أحكام تدبيرية نصّ عليها الشرع . وهكذا يتبيّن أن داخل مفهوم الأمّة الذي قصده « الرسول » هناك معطيان أساسيان : معطى العقيدة الذي يقيم التمايز ، ومعطى التدبير الذي يلغي التمايز . وكأن التدبير أصبح أمرا وضعيّا مرتكزا إلى أحكام شرعية . ويتحدّث الرسول عن جعل الألفة بين أفراد الأمّة ، وهي الرابط الأساسي الذي يشدّ بعضهم إلى بعض . هذا الرابط امتنّ به اللّه على الجماعة . لكنّ هذه الجماعة تفرّقت بعد