جيرار جهامي ، سميح دغيم

305

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

* في الفكر الحديث والمعاصر - إن سألوا عن إعجاز القرآن ؛ من أي وجه هو ؟ قلنا : المحقّق عندنا أنّه لوجوه كثيرة ، منها الأسلوب البديع لأنّ العرب كانت لهم ميادين معلومة يركبون فيها جواد البلاغة ، ويحرزون قصبات السبق في مسابقة الأقران بالقصائد والخطب والرسائل والمحاورات ، وما كانوا يعرفون أسلوبا غير هذه الأوضاع الأربعة ، ولا يتمكّنون من إبداعه ، فإبداع أسلوب غير أساليبهم على لسان حضرته صلّى اللّه عليه وسلّم وهو أمّي عين الإعجاز . ومنها الأخبار بالقصص والأحكام والملل السابقة بحيث كان مصدّقا للكتب السابقة بغير تعليم . ومنها الأخبار بأحوال مستقبلة ، فكلما وجد شيء على طبق ذلك الأخبار ظهر إعجاز جديد . ومنها الدرجة العليا في البلاغة ممّا ليس مقدورا للبشر . ونحن لما جئنا بعد العرب الأول ما كنّا لنصل إلى كنه ذلك ، ولكن القدر الذي علمناه أن استعمال الكلمات والتركيبات العذبة الجزلة مع اللطافة ، وعدم التكلّف في القرآن العظيم أكثر منه في قصائد المتقدّمين والمتأخّرين ، فإنّا لا نجد من ذلك فيها قدر ما نجده في القرآن . ( الدهلوي ، أصول التفسير ، 92 ، 20 ) . - نحن معشر المؤمنين نعتقد أن القرآن معجز لا ريب فيه ، ولنا في إثبات إعجاز القرآن طريقان : طريق تاريخي وطريق علمي . أما الطريق التاريخي . فهو أنه لا شكّ في أن العرب كانوا أفصح الناس ألسنة وأحسنهم بلاغة . . . ومع ذلك فقد وقفوا أمام عظمة القرآن مذهولين مأخوذين . . . فإذا عرفنا يا أخي أن أئمة البلاغة ورجال الفصاحة وأهل الفن قد عجزوا عن معارضته فغيرهم عن ذلك أعجز . هذا هو حكم التاريخ . أما الطريق الثاني فهو الطريق العلمي ولنا فيه نظرتان . نظرة إلى الألفاظ ونظرة إلى المعاني . فأما النظرة إلى الألفاظ فإن اللغوي يضع الآية أمامه كما يضع صانع الجواهر إحدى الدرر الفريدة تحت المجهر ليرى آيات الإبداع . كذلك اللغوي يجد في كل آية ، بل في كل كلمة ، بل في كل حرف من حروف القرآن معنى فريدا ، ووضعا لا يتأتّى لبشر أن يدانيه . وأبرز نواحي الإعجاز أن تصاغ هذه المعاني الغالية ذات المرامي البعيدة في مثل هذه الألفاظ التي بلغت الغاية في اليسر والسهولة . . . وأما النظرة إلى المعاني ، فسنقتصر منها على نواح ثلاث : الناحية الأولى : الشمول القرآني لكل شيء وتعرّضه للعلوم والفنون وعلاج النفوس . . . والنظرة الثانية : أن القرآن خالد متجدّد ، مرن ، يدور مع الزمن ولا يتعارض مع التطوّر العقلي والعلمي ، فاللّه تعالى جلّت قدرته يعلم أن الإنسان في تطوّر وتقدّم ، يسير دائما إلى الأمام ، فلو بيّن القوانين الكونية والنظريات العلمية كما هي مضبوطة ومحدّدة لتولّى بني الإنسان الارتباك والدهشة ، ولأصرّوا على العناد والتكذيب ، ومن جهل شيئا عاداه . . . والنظرة الثالثة هي ما وجد في القرآن الكريم من أسرار غيبية مثل غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( الرّوم ، 30 / 2 - 3 ) . وقد تحقّقت نبوءة القرآن ، وصدق اللّه تعالى بها . ومن هذا ترون أيها الإخوان