جيرار جهامي ، سميح دغيم
280
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
الإسلامية ، 25 ، 11 ) . - أين نجد الحركة الأصولية في ميادين النشاط الإنساني ؟ إننا نجدها ، في الدرجة الأولى ، في ميدان النشاط العقائدي الاجتماعي . فالحركة الأصولية حركة عقائدية اجتماعية ، بالمعنى الواسع لمصطلحي العقائدي والاجتماعي ، وإذا ظهرت في ميادين أخرى ، فإن ظهورها لا يشكّل ظاهرة على شاكلة ما نشهده منه في الميدان العقائدي الاجتماعي . وبعبارة أدقّ ، يمكننا تحديد الحركة الأصولية بأنها حركة تاريخية نكوصية تنشأ في إطار عقيدة معيّنة وترمي إلى تحقيق المشروع الاجتماعي لهذه العقيدة بالعودة إلى أصولها حلا لأزمة معيّنة . ولما كانت أبرز أنواع العقائد هي الأديان والإيديولوجيات ، فإننا نجد أن الأصولية تنشأ وتزدهر ، عندما تتوافر لها أسباب النشأة والازدهار في تطوّر الأديان والإيديولوجيات . ( ناصيف نصّار ، التفكير والهجرة ، 256 ، 19 ) . - إن النقد الإيديولوجي للأصولية الدينية ، كالنقد الديني للأصولية الإيديولوجية ، يختلف ، طبعا ، عن النقد الذي يجري في ما بين الأصوليات الدينية ، أو في ما بين الأصوليات الإيديولوجية . ولكن هذه الأنواع من النقد ، إذا أرادت أن تجد حسما غير الإيمان العقائدي الذي تصدر أصلا عنه ، فإنها لن تتمكّن أن تتلمّسه سوى في البحث العلمي أو في التفكير الفلسفي . وإذا كان الأمر كذلك ، فإن النقد الكامل للأصولية لا بدّ من أن يكون نقدا حاضريا ، متعدّد الزوايا . فالحركة الأصولية حركة تتعامل تعاملا خاصّا مع الأصول ، انطلاقا من الحاضر ، وفي سبيل الحاضر أو في سبيل المستقبل الطالع من أعماق الحاضر . كل كلام على الماضي هو كلام حاضر معيّن ، من موقع معيّن ، بأسلوب معتمد للوصول إلى هدف مسبق ، حول جزء مختار من الماضي أو حول الماضي بوجه عامّ . . . معناه ، إذن ، ليس في الماضي نفسه ، بل في الواقع الحاضر الذي يكتنفه ويحدّده ، وفي البنية العامّة التي ينتظم فيها . ومن هنا ، فإن نقد الأصولية ليس نقدا مباشرا للأصول في حدّ ذاتها ، بل نقد لدعوة حاضرة معيّنة للتعامل مع تلك الأصول ولكيفيّة راهنة محدّدة لتفسيرها وتقييمها . وعلى هذا النحو ، لا بدّ للتحليل النقدي لخطاب الأصولية من أن يتناول مضامينه الظاهرة والكامنة ، فيكشف عن مدى دقّتها ووضوحها . وعن مدى تماسكها ، وعن مدى صحّتها وانطباقها على الواقع التاريخي الذي تحيل عليه . وفي هذا السياق ، ينبغي أن يتعدّى التحليل النقدي مستوى المنطوق عنه إلى مستوى المسكوت عنه ، وأن يظهر نواحي الضعف والتهافت في الخطاب الأصولي ، مثل التناقض والمبالغة والإسقاط والتشويه والاختزال . ثم ، بعد الانتهاء من البناء الداخلي ، لا بدّ للتحليل النقدي للحركة الأصولية من أن يتناول القوى الاجتماعية المنضوية تحتها ، والعوامل التي تتضافر لإحداثها ، والوظائف المختلفة التي تؤدّيها والممارسات التي تقوم بها في الوضعية الاجتماعية التاريخية المتفاعلة معها . ( ناصيف نصّار ، التفكير والهجرة ، 257 ، 21 ) .