جيرار جهامي ، سميح دغيم
134
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
إذا عرّي الإدراك عن حكم فهو تصوّر ، وإن لم يعرّ فهو تصديق . وإذا كان تصديقا جازما ، يتبعه سكون خاطر ومطابقة للواقع ، أصبح علما ؛ أما إذا كان التصديق غير جازم أي إدراكا راجحا فهو « ظنّ » ، وإن كان مرجّحا فهو « وهم » ، وإن استوى الحال فيستتبعه شكّ . وقد يكون الإدراك حاصلا عندنا من خلال ما نعرفه من أحوال الناس بالمخالطة والاختبار وغيرها . والمدركات يمكن أن تبقى إذا كانت قد وصلت إلى مرتبة العلم ، حتى ولو لم يبق الإدراك . ومعناه أن اللّه يمكن أن يخلق فينا العلم بالمدركات دون طريق الحواس ، بينما لا يخلق فينا العلم بالحال دون العلم بالذات . وقد يكون الإدراك للفعل بواسطة النظر كالاستدلاليات ، أي تحصيل العلوم المكتسبة ؛ ويمكن ربطه بالحواس بحسب طبيعة الإحساس ونوعيته وكيفية حصوله . وهذا الاختلاف حول طبيعة الحواس يعود إلى الاختلاف حول نظرة المتكلّمين إلى الأغراض والأجسام . لذلك فإن بعض المعتزلة الذين أثبتوا الأعراض ( العلّاف - عبد الجبّار ) جعلوا الإدراك تابعا للحواس . أما الذين نفوا الأعراض فقد اعتبروا أن الإدراك الحسّي تابع للنفس المدركة عبر الحواس . ( راجع احساس ، تصديق ، تصوّر ، علم ) . * في الفلسفة - احتدم الجدل بين الكلاميين والأصوليين والفلاسفة ، أو بين مدارسهم بحدّ ذاتها ، حول طبيعة فعل الإدراك ومصدره : أهو إلهي أم إنساني ؟ فذهبوا إلى حدّ إقحام اللّه ، أو أحد وسطائه وهو العقل الفعّال ، لإجلاء حقيقة العلاقة بين المدرك والمدرك ، وكيفية تدرّج المعرفة بأدواتها الحسّية الظاهرة والباطنة ، والعقلية على أنواعها ، والحدسية العرفانية أيضا . تجاوزت الفلسفة هذه المسلّمات الدينية لتؤكّد أن الإدراك ، فعلا معرفيّا ، يبقى إنسانيّا ، خارجيّا كان أم باطنيّا ، ذاتيّا أو موضوعيّا . فالمدرك صورة المدرك ومعناها ، أو المدرك ذاته مدركا ، يعي تمام الوعي أنه أمام موضوع خارجي يتلقّفه بذكائه أو حدّة حدسه . فهو يواجه علما جديدا يولّده إدراكه بالشيء بداهة أو تأمّلا ، حسّا أو تجريدا . نعم ، إن الإدراك العقلي ، والذي تتداخل فيه عوامل تمثّلية ، أو شعورية ، أو ذهنية ، لا بدّ أن يؤدّي إلى ازدياد معارفنا وعلومنا ، استبطانية كانت أم تجريبية . لكأن الإدراك يستقطب الحواس وملكات النفس ، ليسخّرها في عملية معرفية مزدوجة تطول الذات والموضوع الخارجي ، لتنتهي إلى تحديد العلاقات الترابطية والسببية التي تكوّنهما . يتمّ ذلك كله ضمن مجال إدراكي معيّن ( Champ perceptif ) ، وبواسطة علوم مختلفة تتضافر لتغذّي الإدراك . لقد سلخ العلم الحديث إذا فعل الإدراك هذا عن سوابقه الماورائية ولواحقه الدينية ، متجاوزا كل القبليات ( Les a priori ) العليا وغير المنطقية ، ليحصر المعرفة بأصحابها وفقا لمستويات عقولهم المدركة . ( راجع : فروع الإدراك ، تجريد ، تصوّر ) .