جيرار جهامي ، سميح دغيم

1290

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

هذا ما جرى في الغرب إبّان عصر الأنوار ، وما عقبه من انقلاب في المفاهيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ؛ خصوصا بعد الثورة الفرنسية وما حملته من أفكار قيمية جديدة حول معاني الديمقراطية والحرية والفردنة وفصل الدين عن الدولة وغيرها . لم يبق المفكّرون العرب والمسلمون بمنأى عن التيّارات الحداثوية التي اجتاحت الغرب عموما وأوروبا خصوصا ، وتحديدا حصل التفاعل وانتقال الأفكار عبر البعثات التي كان يرسلها محمد علي باشا إلى أوروبا للاطلاع على ما كان يجري فيها من تغييرات . وهكذا ذهب الطهطاوي إلى باريس ، وتعرّف الكواكبي على النظام السياسي الجديد ، وكذلك خير الدين التونسي ، إلى كثيرين حملوا القضايا التنويرية التي سادت في الغرب . ومن هنا بدأ التنظير السياسي والثقافي لمسألة تشكّل السلطة في العالم العربي والإسلامي . نادى الطهطاوي بالحرّية والديمقراطية ، وحاول أن يسندهما بمفاهيم إسلامية كمفهوم الاختيار ومفهوم الشورى وغيرها من المفاهيم التي يمكن تأصيلها في بيئتنا . أما الكواكبي فقد هاجم الاستبداد ونادى بدولة العدالة ، وكذلك خير الدين التونسي الذي ركّز على مسألة إنشاء الدساتير الوضعية لقيام مفهوم الدولة ، مع أنّه تسلّم مناصب سياسية ضمن الخلافة العثمانيّة التي كانت تعتبر التشريع الإسلامي أساسا لها . ومع تسارع الأحداث برز مفكّرون قوميون نظروا إلى الدولة العربية نظرة مختلفة ، فوجدوا فيها شأنا ثقافيّا لأن وظيفتها تكمن في العناية بسياسة المجتمع المركّب والتي لا وجود لها إلّا فيه . فالدولة مرتبطة بالاجتماع وهي ليست مفهوما خارجا عنه ، إنها شأن سياسي لتدبير أمور المجتمع . ويركّز الأرسوزي في هذا المنحى على مفهوم القومية في الدولة ، وهو يهدف إلى تعزيز السؤدد والعزّة القومية من خلال المؤسّسات الاجتماعية التي تنشئها . وهكذا بدأ المفكّرون العرب المسلمون ينظّرون لمجال سياسي مفصول عن المناحي الدينية التقليدية كأساس لقيام الدولة . * في الفكر النقدي - إبّان هذه المرحلة الفكرية المعاصرة ، بدأت المقارنة تجري بين مفهوم الدولة عندنا ومفهومها في الغرب ، وبدا المعيار الأساسي للمقارنة قائما على مسألة الابتعاد أو القرب من الدولة العصرية الحديثة . ترتكز هذه الدولة على عدّة قيم اجتماعية وخلقية ، منها : الحرية ، والديمقراطية ، والعدالة ، والمشاركة الواسعة لفئات الشعب في تقرير سلطتهم مع وجود مؤسّسات حديثة تستوعب هذه المشاركة . هذا ما يشير إليه ياسين الحافظ ، حيث يعتبر أن الدولة في عالمنا العربي مقصّرة عن مرحلة الدولة في الغرب . إنها دولة الاستبداد ، دولة العشائر والمذاهب والطوائف ، الأمر الذي يفسّر تراجعها وانهيارها . فالبنى الأساسية المكوّنة للسلطة هي بنى تقليدية متخلّفة حصرت الدولة في مفهوم ثيوقراطي حرمها من الوعي العقلاني . يذهب محمد شحرور من جهته في تأسيس