جيرار جهامي ، سميح دغيم

105

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

واتفاقات ربما كانت تسير على قوانين لا نعرفها . ولسنا نقصد بالاختيار هذه الحرية الجزئية الضئيلة التي نستطيع معها أن نسير إلى اليمين لا إلى اليسار ونأكل صنفا دون آخر ، ولكنّما نقصد به مجموع القوة المصرّفة للحياة والمتسلّطة على هامة الحرية الجزئية ، نقصد به روح الحياة ذاتها . فهذه الروح أو تلك القوة أو ما شئت فسمّها معدومة الاختيار من جميع الجهات ، سواء كان ذلك من جهة تكوينها المباشر بالذات أو من جهة الظروف الخارجية التي تعيش وقتيّا في وسطها . وهي مدفوعة في طريقها بعوامل لا دخل لها مطلقا فيها ، أو إن كان ثمّة لها دخل فهو ضئيل إلى درجة معدومة الأثر . وهذه الحرية الجزئية الضئيلة التي نعتقد أننا نملكها بيدنا ، وأنّا نتصرّف على مقتضاها في حياتنا اليومية ، معدومة أيضا وما نراه منها إنما هو خيال ووهم . ( محمد حسين هيكل ، الإيمان والمعرفة والفلسفة ، 117 ، 7 ) . * في الفكر النقدي - الاختيار يقتضي الحرّية ، فلا اختيار حيث لا حرّية ، والاختيار أيضا يجرّ بالضرورة إلى المسؤولية . لكن لماذا يضطرّ المرء إلى الاختيار ؟ لأنه لا بدّ أن يفعل ، إذ الفعل هو معنى الوجود ، وبغيره لا يوجد الفرد ، ولكي يفعل لا يستطيع أن يفعل كل الممكنات ، بل لا بدّ له أن يختار وجها من أوجه الممكن . . . . وإذا فالاختيار ضروري لإمكان الفعل . لكن الاختيار معناه نبذ إمكانيات أخرى موضوعة أمام الإنسان ، ولهذا كان الاختيار ينطوي على مخاطرة لأن المرء يجازف باختيار وجه أو وجهين من أوجه الممكنات العديدة ؛ ولهذا أيضا يبقى نوع من العدم في داخل نسيج الذات تمثّله هذه الإمكانات التي لم يستطع أن يحقّقها . ( بدوي ، الفلسفة الوجودية ، 23 ، 6 ) . - في الحقيقة إن العديد من المصطلحات استخدمت بمقابل مصطلح حريّة ، مثل التخلية ، والخلاص ، والانعتاق ، إلّا أن أهمّ المصطلحات التي أخذت أبعادا اقتربت بعمق من مفهوم الحريّة ، هو مصطلح الاختيار . ومن المفيد أن نبدأ أولا تبيين الاشتقاق اللغوي لهذا المصطلح . فالاختيار بحسب اللغة من الخير ، « وهو افتعال منه ، وإذا قيل : اختار الإنسان شيئا فكأنه افتعل من الخير ، أي فعل ما هو خير له » . وخار في قوّة اختار . . . ومن ذلك نستنتج أن الاختيار لا يمكن أن يكون إلّا اختيار الخير ولا اختيارا مطلقا ، سيّما وأن الأفعال عند المعتزلة تنقسم بحدّ ذاتها إلى حسن وقبيح ، وهما أمران لازمان عنها لأنهما ذاتيان بها . فالاختيار إذا ليس قدرة مطلقة يمكنها الاستغناء عن كل شيء ، بل هو ترجيح يصدر عن فكر ورويّة ، ويتعلّق بالفعل الإنساني من هذا الوجه ليقع منه ما هو خير له . . . فقد يكون الاختيار وظيفة من وظائف الحريّة بمعناها العميق ، إلّا أنه وظيفة ناجعة ، تعرب في كثير من المواقف عن تأكيد الذات في القيام بهذا الفعل أو عدم القيام به . أضف إلى ذلك أن هناك علاقة جدلية متّسقة الاتّصال بين الاختيار والتقدير عند المعتزلة .