جيرار جهامي ، سميح دغيم
106
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
فتحقيق الفعل عمليّا لا يتمّ إلّا بعد إحكامه بالعلم وتخصيصه بالاختيار وإحداثه بالقدرة . والفعل الناتج عن هذه الأمور الثلاثة هو فعل حريّة ، إنه تقدير لجواز اختياري . فالاختيار حقيقة هو إضفاء من إضفاءات الحريّة بمعناها العميق ، إنه الأساس الجذري لها وليس الأساس المطلق . فعند ممارستنا للاختيار المسبوق بالتفكير والروية إنما نمارس فعل حريّة ويؤدّي إلى التقدير والخلق . فمصطلح اختيار « لم يفقد الكثير من زخمه المضموني تحت تأثير توجيهات الفكر الكلامي الإسلامي المتعلّق بالإرادة الحرّة » . كما ذهب إلى ذلك روزنتال . . . بل « إن الاستخدامات الحديثة لمفهوم الحريّة تقطع بقيام الصلة الوثيقة بين مصطلحي الاختيار والحريّة وتجعل من الثاني البديل المعاصر لشبيهه القديم » . ( سميح دغيم ، فلسفة القدر ، 71 ، 14 ) . * تعليق * في علم الكلام - الاختيار مصطلح وضعه الكثيرون في مقابل مصطلح حرّية ، دون أن يكون هذا الأخير قد استعمل من قبل المفكّرين المسلمين . إن أصل الاختيار من الخير ، وهو لا يمكن أن يكون إلّا اختيارا للخير لا اختيارا مطلقا ، وهذا هو أول بون بينه وبين مصطلح حرّية . فالاختيار بالمعنى الذي ورد فيه عند المتكلّمين هو ترجيح يصدر عن فكر ورويّة ، ويتعلّق بالفعل الإنساني من هذا الوجه ليقع منه ما هو خير له . وإذا كان الاختيار كالضدّ للالجاء ، فهو يعني إمكانية فعل الأشياء المختلفة . ومن تكون منه الأشياء المختلفة بحيث يفعل الضدّين « فهو المختار لأفعاله » . وقد يطلق الاختيار على القدرة ويقابله الإيجاب « كون الفاعل بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل » . فالمختار القادر هو الذي يصحّ منه الترك والفعل . إن الاختيار في بعده الميتافيزيقي هو أساس التكليف عند المعتزلة . فلو لم يكن الإنسان مختارا لأفعاله لما صحّ تكليفه . أما في بعده النفساني فإنه يظهر في شعور الإنسان اقتداره على الفعل من تلقاء نفسه . هذا الشعور سنده الموضوعي هو الاختيار بحيث إذا عرض له طريقان اختار أحدهما دون أن يكون مضطرّا لذلك . كما أنه يستطيع اختيار خلاف ما ألجئ إليه أصلا إذا علم فيه الثواب العظيم . * في الفكر الحديث والمعاصر - مقارنة بين مصطلح اختيار ومصطلح حرّية : هل يكوّن الاختيار ( بالمعنى الذي ورد في التراث الكلامي الإسلامي ) وجها من وجوه الحرّية كما طرحت في الفكر الحديث والمعاصر ؟ إن أصل مفهوم الحرّية يكمن بمقابل مفهوم العبودية ، وهذا معنى للحرّية يقصرها ضمن إطار قانوني بحت يلزم عن وضع اجتماعي معيّن . لكن التحليل الفلسفي الذي يردّ الأمور إلى أصولها ، يعطي للحرّية مفهوما جديدا يوسّع المفهوم القديم ويعمّق معانيه كما سيأتي معنا . أ - هناك مستويات عديدة للحرّية ، نذكر منها الحرّية الاجتماعية والسياسية والشخصية .