جيرار جهامي ، سميح دغيم

1132

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

الحقّ الصريح والمصلحة العامّة . ومع ذلك ، ينبغي أن يصبح اللجوء إلى الحوار تقليدا راسخا رسوخا لا يقلّ عن العوائد والمصالح ، وأن تكون المؤسّسات القانونية والتنظيمية متيحة للحوار العامّ وتعديل الاختيارات . وكل هذا لا يكون ممكنا إلّا إذا تمّ التسليم بأن الآراء المتداولة ، والقوانين المتعامل بها ، والمؤسّسات القائمة ، كلها بشرية من حيث منشأها وغاياتها . لكن . . . هل يكون الحوار ممكنا في وضعية أخرى : حين يعتبر طرف من الأطراف أن رأيه سلطة ، وأن رأي الطرف الآخر هو « مجرّد رأي » ؟ هذا هو موقف المحتكرين للنطق باسم الدين منذ كانوا . هؤلاء لا يرون أن ما يقولونه إنما هو « رأي في الدين » ضمن آراء أخرى ممكنة ، بل يقطعون بأن رأيهم هو الدين ، فيتقمّصون القداسة ، والنطق باسمها ، ويحيلون رأيهم إلى سلطة . في مثل هذه الأحوال لا تقوم مناظرة ولا يستقيم حوار . ( علي أومليل ، شرعية الاختلاف ، 102 ، 12 ) . - الحوار هو قبول الآخر . وقبول الآخر بشروطه كما هو ، وليس بشروطي . لأنك إذا قبلته بشروطي مسخته ، أي ألغيت خصوصيته . أعتقد أن الحوار هو أحد مقاصد الشرع الكبرى . اللّه سبحانه وتعالى هو أعظم المحاورين . والقرآن الكريم هو التعبير الأكمل عن هذا الحوار . الأنبياء هم أعظم المحاورين . الأولياء هم أعظم المحاورين . المؤمنون الكبار هم أعظم المحاورين . الحوار هو جوهر حياة الناس . ( محمد مهدي شمس الدين ، الفكر الإسلامي ، 147 ، 2 ) . - الحوار - دائما - لغة الأكفاء ، الواثقين بأنفسهم ، الراغبين في تطوير أنفسهم ، الطامحين إلى توسيع آفاق معرفتهم ، المؤمنين أنهم لا يمتلكون المعرفة المطلقة أو اليقينية بل المعرفة النسبية التي تغتني - دائما - بالتفاعل . وثقة المحاور بنفسه لا تعني أنه المالك الوحيد للحقيقة ، أو صاحب العلم اللدني الذي لا يدانيه أحد ، أو العارف الأوحد الذي لا بدّ أن يتعلّم منه الآخرون الذين لا بدّ أن يكونوا أدنى منه ، أو كاهن الإيديولوجيا الذي يمتلك صكوك البراءة أو مراسيم الإدانة ، كأنه الصورة المقلوبة للملتحي الذي يقذف من حوله بصفات الكفر أو الإيمان . إن ثقة المحاور بنفسه تعني ثقته بغيره ، كما تعني أنه لا يمتلك القدرة - وحده - على صنع المعرفة . فالمعرفة نتاج مشترك يتجاوز الفرد ، والفرد لا يتعرّف شيئا إلّا في فعل جدلي ، تتجاوز فيه الأنا نفسها إلى غيرها ، حيث يقع الآخر الذي يسهم في صنع معرفة الأنا . هذا الفعل الجدلي يبدأ بحوار الفرد مع نفسه ، ويمتدّ إلى حواره مع غيره . ( جابر عصفور ، التنوير ، 265 ، 1 ) . - إذا كان فعل الحوار لا يغتني إلّا باغتناء الوعي بالحرية فإن ثمار الحوار لا تزدهر إلّا في المجتمعات التي تنعم بالحرية بكل أشكالها ، حيث السلطة السياسية التي لا ترى نفسها وصية على أغلبية مسلوبة القدرة على الاختيار ، وحيث السلطة الدينية التي لا تنظر إلى نفسها بوصفها سلطة ابتداء ، وحيث