جيرار جهامي ، سميح دغيم

1089

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

تطبيق مبدأ التكافؤ هذا على الحقيقة بشكل عام ، وجدنا أنفسنا مضطرّين إلى تجاوز مقاييس المنطق القائمة على التماثل والتماهي ( الهو هو ) وضروب الاستدلال التقليدية ، لنتبنّى جدلية القبول والرفض معا ، ولنطرح جزئيات الحقائق في غناها وتبدّدها قبل لملمة شمل معانيها ومغازيها . لا جرم أن الحقيقة الفلسفية ، بوجه خاص ، لم تعد وحدها سيّدة الساحة الفكرية ، كذلك قل بالنسبة إلى الحقيقة المنطقية الثنائية القيم ( Bivalence des valeurs ) ، لأنهما انفتحتا على نسبية حقائق العلوم الوضعية والعلوم الإنسانية . وقد بيّنت جدلية الحقيقة في تاريخها أن الحقائق نقائض ، وتفاعلات ، وتطوّرات ، وجدليات مستمرّة بين المذتهن والواقع ؛ وأن الثبات فيها بات يشكّل خطرا على تجدّدها وتحوّلها الضروريين لمواكبتها سنن التطوّر . هنا نتساءل : أين الفكر العربي من هذه المناحي العلمية والموضوعية لمفهوم الحقيقة خارج نطاق تكافؤ الأدلّة ؟ هل يبقى متلمّسا طريقه في ضوء خبر يهبط عليه من عل ؟ وهلّا ما برح أسير القول العقيدي على أنواعه ؟ ما هكذا عهدنا الفكر الفلسفي المستقل ومنطقه الجدلي المتفاعل مع مستجدّات الحياة ! ودعوتنا إلى إطلاق أسر الفكر ، والبحث من جديد عن الحقيقة ، يفترض منا ابتداع أدوات وآليات جديدة تخوّلنا إعادة تفكيك الحقائق المنسّقة ، وعلمنة الحقيقة إذا صحّ التعبير بموضوعية مجرّدة ورؤية شمولية . هذا وإنه لا يجب أن تبقى الحقيقة رهينة العلماء أو الخاصة كأنّ لا دخل للعامة فيها ولا علاقة . مضى زمن إلجام العوام عن حقائق الكلام ، ومضامين البراهين ونتائجها ، لمعرفة الأمور وبواطنها . وما الحقيقة الفلسفية سوى الكشّاف الذي يجب أن يهدي هؤلاء ويرشدهم إلى الصواب قولا وفعلا وقصدا ، نظرا ومسلكا وإن على تفاوت مستوياتهم . حقيقة أولى * في الفكر الحديث والمعاصر - فحصنا عن التجربة يظهر أن الحقيقة الأولى حياة يحدوها العقل ، ونحن بالنظر إلى تجربتنا الشعورية لا نستطيع أن نتصوّرها إلّا وحدة عضوية إلّا شيئا محبوك الأطراف وله نقطة مركزية يرجع إليها ، وإذا كانت هذه هي طبيعة الوجود ، فإن الوجود الأول لا يمكن تصوّره إلّا ذاتا . فالعلم بمعنى العلم الاستطرادي مهما بلغ في عدم تناهيه لا يمكن أن يسند إلى ذات تعلم وهي في الوقت نفسه تؤلّف موضوع الشيء المعلوم . ومن سوء الحظ أن اللغة لا تسعدنا في هذا المقام ، فليس لدينا كلمة تعبّر عن نوع العلم الذي يخلق موضوعه أيضا . ( محمد إقبال ، التفكير الديني في الإسلام ، 92 ، 10 ) . حقيقة تاريخيّة * في التاريخ - يحسن بالمؤرّخ المستجدّ أن يذكر بادئ بدء أن ربط الحقائق التاريخية وتأليفها يختلف عن الربط والتأليف في العلوم الطبيعية .