جيرار جهامي ، سميح دغيم
1073
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
* في الفكر النقدي - هذا شأن الحقّ ( بعد الحقيقة ) : ليس هو مجرّد قيمة عليا نصدع بأمرها ، ولا هو مجرّد شيء نمتلكه أو نسعى إلى استرداده بعد فقده . بل هو ما نكتسبه أو نحسن أداءه ، أو ما نصرفه ونقوم بتحويله . إنه بالأحرى ما يتحصّل عن التغيّر الذي نحدثه في علاقتنا بالنفس والغير ، بالحقيقة والسلطة ، أو بالمعرفة والثروة . وليس عبثا أن الذين تعاملوا مع الحقّ بمنطق الاسترداد خسروا مزيدا من الحقوق ، وأن الذين تعاملوا معه كشيء يكتسب أو يؤدّى حصلوا على مزيد من الحقوق . فالحقيقة والهوية والحقّ ، ليس هي ما يقف وراء المرء ، وإنما هي ما ينبغي تحصيله أو صنعه أو خلقه وإنتاجه . ( علي حرب ، أوهام النخبة ، 57 ، 8 ) . - معيار الحق متعدّد الصور بتعدّد طرائق القول ، فلئن كان الحق عند الصحفي - وهو ينقل للناس خبرا عن مشكلة من مشكلات الحياة الجارية - هو أن يرسم صورة كلامية دقيقة التطابق مع تفصيلات الحادث كما وقع ، فإن الحق عند الأديب - وهو يعرضه للمشكلة عينها في قصة أو مسرحية - هو أن يجيد تصوير أشخاصه في تفاعلهم حتى ولو لم يلتزم ، بل لا ينبغي له أن يلتزم تفصيلات الواقع كما وقع ، والحق عند العالم المتخصّص وهو يخطّط للمشكلة حلّا ، هو نجاح التطبيق . وأما صاحبنا المفكّر فصورة الحق عنده هي دقّة التحليل والتعليل الذي يستطيع بهما أن يجاوز حدود الواقع إلى حيث المبادئ التي كانت كامنة وتجسّدت في المشكلة الجزئية التي وقعت ، أو إلى حيث النتائج القريبة والبعيدة التي عساها أن تترتّب على تلك المشكلة . ( زكي نجيب محمود ، حياتنا العقلية ، 111 ، 14 ) . * تعليق * في التصوّف - يدخل مصطلح الحق وينخرط ضمن شبكة من المعاني المتفاعلة المتضايفة ، إذ هو مفهوم صوفي - فلسفي ، أخلاقي - اجتماعي وحقوقي . اتّخذ الحقّ معنى اللّه في القرآن وكل ما ينبع منه فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ( يونس ، 10 / 32 ) . وهو مدلول أشار إليه الفلاسفة « بالحق الأول » علّة كل حق . إنه نقيض الباطل في الخلقيات بعامّة والصوفيات بخاصّة . هو المعتقد بذاته إذ لا يقوم خلق إلّا به . وعندما يشعر المتصوّف أنه يجسّده يفترض اتّحاده به كما قال الحلّاج : « أنا الحقّ » . هو الخير ضدّ الشر ، والصدق ذاته إذ يخبر به على الوجه الذي هو عليه . والوجود كله حق في مقابل العدم ( كما فهمه ابن عربي ) . فمعيار الحق يبقى إذا إنساني - إلهي مركّب . * في الفلسفة - يطلق الحقّ في الفكر العربي ، ومنذ بداياته مع الكندي ، على الوجود في الأعيان لأنه يوفّر مطابقة الحكم للواقع . فلا يشيع فقط في الأقوال صدقا محضا ، إنما يوفّر حقيقة معانيه ؛ من هنا ربطه بالإنّية واستطرادا باليقين المعرفي . لكننا نتساءل : هل للحق وجه واحد والواقع يتبدّل ؟ يبدو أن احتكاك