جيرار جهامي ، سميح دغيم

1030

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

* في الفكر الحديث والمعاصر - الحسّ بالشيء في أبسط معانيه وأعمّ أنواعه هو الانفعال به ، ولا يسع صاحب الاعتراض إلّا أن يوافقنا على ذلك وإلّا يترتّب عليه أن ينفي الحسّ عن النبات والحيوانات الدنيا التي لا شعور لها ولا إدراك وهذا لا يوافقه عليه أحد من الطبيعيين والفيسيولوجيين المعاصرين . من المعلوم أن المادّة إذا لامست جسما حيّا تفعل فيه فتهيّج فيه الحسّ ولكن من يقول لنا إن الجسم الحيّ لا يفعل في المادّة ويحدث فيها تغييرا ، فبلا شكّ أن الحياة تفعل في بعض الأوساط وأكبر دليل على ذلك الاختمار . ( شبلي الشميل ، النشوء والارتقاء 1 ، 318 ، 17 ) . - الحسّ ينصبّ على موضوعه ، بمعزل عن الموضوعات الأخرى ، ويحيطه بكل عنايته ، ويستنفده حتى النهاية . قصير المدى . قصير النفس . لا يقوى على التشعّب . ولا يستطيع أن يشمل في نظرته ، حيثما يقع يفعل . وإذا كنّا نريد أن نتمثّل حسّا خالصا فما لنا إلّا أن نتصوّر الحيوان . هذا المخلوق حسّ خالص . لذا يعيش فقط في الحاضر . ينصبّ إطلاقا على الموضوع الذي يرضي حسّه . أما الهوامش أو ربط هذا الموضوع بغيره فإنه لا يقوى عليه البتّة . الواقع أن التجربة الحسّية مشوّشة غامضة محدودة في الزمان والمكان . لكل تجربة زمانها ومكانها . أي نطاقها الخاص وكيانها الخاص . إنها عالم في حدّ ذاتها لا علاقة لها بسواها كأنها معلّبة في صندوق . لذا هي لا تقوم على ناموس منظّم . هذا هو الحسّ . ( كمال الحاج ، فلسفة اللغة ، 220 ، 19 ) . - يوجد شيء اسمه الحسّ . هذا موضوع معطى ، أو بالأحرى ظهورة معطاة . لها اسمها الذي يعرفه كل إنسان في كل زمان ومكان . إنها في ذاتها واحد ، وإلّا لما أطلقنا عليها اسما واحدا ، ولما ركّزناها في عقلنا وتكلّمنا عنها ، مع أن مادتها أو محتواها كثرة . . . فنحن نرى ونسمع ونشمّ ونلمس ونذوق ، وفي كلّ فعل من أفعال الحسّ هذه يظهر الثالوث إيّاه : الحاسّ والمحسوس ومادة المحسوس ؛ ثم إن عناصر هذا الثالوث يتميّز بعضها عن بعضها الآخر كلّيّا ، وكلّ واحد منها يختلف تمام الاختلاف عمّا عداه . ( شارل مالك ، المقدمة ، 127 ، 12 ) . * تعليق * في الفلسفة - لم تتمكّن فلسفة المعرفة ومذاهبها على اختلافها من تجاوز دور الحواس - وإن بتفاوت - في الإدراك ، وضرورتها عند القيام بعمليتيّ التجريد والتذهين إذ تظلّ هي المنطلق . وقد تميّز الفكر العربي بهذا الاتجاه إذ بقيت المشاهدات المعاينات فيه تشكّل محكّ المعرفة وصدقيتها ويقينيتها ، بالرغم من أن الحسّ لا يكوّن علما بحدّ ذاته إنّما مقوّما له . وهذا ما حدا ببعض الباحثين إلى تصنيف النظريات المعرفية لدى فلاسفة العرب ومتكلّميهم أسسا للفكر التجريبي العالمي ، بمناهجها ومفرداتها وروحيتها . للحسّ وظائف نفسية بالطبع لارتباطه بالظاهر والباطن ، سيّما بملكتي الخيال والذاكرة