جيرار جهامي ، سميح دغيم

82

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

وليس أحد يطالبني بمظلمة في نفس ولا في مال » . وإنّما إذا رأى المحتسب أحدا قد احتكر الطعام من سائر الأقوات ، وهو أن يشتري في وقت الغلاء ويتربّص به ليزداد في ثمنه أكثر منه ألزمه بيعه إجبارا ، لأنّ الاحتكار حرام والمنع من فعل الحرام واجب . وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « الجالب مرزوق والمحتكر ملعون » . ( ابن بسام ، الرتبة والحسبة ، 18 ، 13 ) . - إنّ الاحتكار من الظلم ، وداخل تحته ؛ واعلم أنّ النّهي مطلق ويتعلّق النّظر به في الوقت والجنس ، أمّا الجنس فيطرد النهي في أجناس الأقوات ، ليس بقوت ولا هو مغن عن القوت ، كالأدوية والعقاقير والزعفران ، وأمثاله ، فلا يتعدّى النّهي إليه ، وإن كان مطعوما . . . وأمّا الوقت فيحتمل أيضا طرد النهي في جميع الأوقات ، ويحتمل أيضا أن يخصّص بوقت قلّة الأطعمة وحاجة الناس إليه حتى يكون في تأخير بيعه ضرر ما . ( ابن أحمد القرشي ، أحكام الحسبة ، 122 ، 7 ) . - في الاحتكار : ومما اشتهر عند ذوي البصر والتجربة في الأمصار أنّ احتكار الزرع لتحيّن أوقات الغلاء مشؤوم وأنّه يعود على فائدته بالتلف والخسران . وسببه واللّه أعلم أنّ الناس لحاجتهم إلى الأقوات مضطرّون إلى ما يبذلون فيها من المال اضطرارا ، فتبقى النفوس متعلّقة به ، وفي تعلّق النفوس بمالها سرّ كبير في وباله على من يأخذه مجانا . ولعلّه الذي اعتبره الشارع في أخذ أموال الناس بالباطل . ( ابن خلدون ، المقدمة 2 ، 931 ، 5 ) . * تعليق * في العلوم الاجتماعية والسياسية - بعد أن أوصى الإمام علي في نهج البلاغة بالتجّار والصنّاع خيرا لأنهم الباب الموصل إلى المنافع ، وهم الذين يغامرون ويجاهدون في سبيل إيصالها إلى الناس ، وجد أنه ممنوع عليهم الاحتكار ومحرّم أن لا يكون هناك بيع وشراء عدل بموازينهما وبأسعارهما . أما الغزالي فقد أورد قبح الاحتكار كما أشار إليه الرسول والصحابة ، وعرّفه بأنه حجب شيء في وقته عن متناول الناس . هذا الاحتكار حكمه الشرعي متعدّد ، فمن كونه مذموما ، إلى كونه قد برّئ اللّه من فعله ، مأخوذ من باب كراهته الشرعية . وقد يقتضي الأمر النظر إلى الاحتكار نظرة اقتصادية أيضا ، فإن تسعير البضائع ليس أمرا إلزاميّا على المحتسب ( رجل معيّن من قبل الوالي لمراقبة الأسواق ) ، بمعنى أن الدولة لا تتدخّل في تسعير البضائع بل تترك ذلك للعرض والطلب . لكن الأمر يختلف في مسألة الطعام ، فإذا رأى المحتسب أحدهم قد احتكر الطعام دون سواه ، بحيث أنه يشتري بالرخص ويتربّص وقت الغلاء لتصريفه وبيعه ، فإنه يستطيع ( أي المحتسب ) أن يمنعه من ذلك . يعتبر ابن أحمد القرشي صاحب كتاب « أحكام الحسبة » ، أن الاحتكار من الظلم ، وكذلك يقول ابن خلدون في كلامه عن احتكار السلطان للتجارة أنه مظلمة ومفسدة ؛ وينطبق الحكم نفسه على احتكار الزرع والمزروعات في الأمصار إلى حين أوقات الغلاء .