قطب مصطفى سانو
337
معجم مصطلحات أصول الفقه ( عربى - إنكليزى )
فإذا كان الدليل قطعيّا ثبوتا ودلالة ، فإنّ مخالفته تعدّ مكابرة وإنكارا للمعلوم بالضرورة ، فمروقا من الدين في النهاية ، فمن أنكر وجوب الصيام أو أنكر وجوب الصلاة والزكاة والنطق بالشهادتين ، أو أنكر تحريم الإشراك باللّه والزنى والقذف والخمر ، فإنّه يوشك أن يمرق من الدين ، ويستتاب . وأما إذا كان الدليل قطعيّا في ثبوته وظنيّا في دلالته ، أو كان ظنيّا في ثبوته وقطعيّا في دلالته ، فإنّ مخالفته ومعارضته عن علم لا تعدّ إنكارا ولا مكابرة ، وخاصّة إذا أتت المخالفة ممن وجدت فيه أدوات الاجتهاد المعتبرة ، في عصر من العصور . فمن أنكر وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة وآمن بوجوب مطلق القراءة ، فإنّه لا يعدّ مخالفا لأمر معلوم من الدين بالضرورة ، وذلك لأنّ دليل وجوب قراءة الفاتحة ظنيّ من حيث الثبوت ؛ وذلك لأنّه ثبت بخبر الواحد ، ولكنه قطعيّ من حيث الدلالة بالنسبة إلى المنفرد ، ولذلك ، فإنّ اعتقاد عدم وجوبها عن اجتهاد لا يعدّ مخالفة للنصّ ، ولا مروقا من الدين . وكذلك الحال فيمن أنكر وجوب الوضوء على من لامس امرأة ، سواء أكانت أجنبيّة أم لم تكن ، وسواء أكان اللمس بشهوة أم بدونها ، وذلك لأنّ دليل وجوب الوضوء من لمس المرأة في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ . . . إلى قوله . . . وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [ المائدة : 5 / 6 ] ، هذا الدليل دليل قطعيّ ، من حيث الثبوت ؛ لأنّه قرآن ، ولكنّه ظنيّ من حيث الدلالة لأنّ لفظ " لامس " لفظ مشترك بين اللمس المجرّد والجماع ، كما هو مشترك بين اللمس بحائل أو بدون حائل ، وبالتالي ، فإنّه يحتمل أكثر من معنى ، فقد يحتمل اللمس المجرّد ، وقد يحتمل الجماع ، وربما احتمل اللمس بدون حائل فقط . ثم إنّ لفظ " النساء " في الآية عامّ يحتمل مطلق النساء ، وربما احتمل الزوجات فقط ، دون المحارم ، وبالتالي ، فإنّه يحتمل أكثر من معنى . ولذلك ، فلا إنكار على من حمل قصره على الزوجات دون المحارم ، ولا على من جعله شاملا لكل امرأة .