جيرار جهامي
مقدمة 6
موسوعة مصطلحات ابن رشد الفيلسوف
في فلسفتي أفلاطون وأرسطو من حيث السياسيات والأخلاقيات والإجتماعيات من جهة ، ومن حيث الطبيعيات والمنطقيات والنفسانيات والإلهيات . فإن أجلنا النظر بين صفحات هذه الموسوعة المصطلحية ، التي شئناها تعبّر عن فضائه الفكري وهمومه العملية والدينية ، وجدناها تعكس في مختلف المصطلحات عن عديد هذه العلوم ، وتبيّن لنا مدى تعمّق ابن رشد في كلّ منها . وما قصة التحاقه ببلاط الخليفة أبي يعقوب يوسف وهو في عزّ شبابه سوى دليل ساطع على شمولية علومه ، هو الذي كشف لنا عن مذهب أرسطو الحقيقي واتّجاهات الأرسطيين ، بعد ما نقّح نصوصه التي حوّرت مرات عدة وعلى مرّ السنين من قبل المشائين . فقد استدعاه أبو بكر بن طفيل ( حسب رواية الفقيه بن يحيى القرطبي تلميذ ابن رشد الذي روى خبر اللقاء بين الفيلسوف والسلطان ) ليجلو للخليفة أبي يعقوب يوسف عبارة أرسطوطاليس المترجمة ، نظرا إلى غموض أغراضه وسوء نقلها . حتى ذكر أبو الوليد أن هذه الدعوة حملته على تلخيص معظم مؤلّفات المعلّم الأول مرات عدّة ، ضمن إطار رسائل وتلخيصات وشروحات مستفيضة كبرى ( بين العامين 1168 و 1169 تقريبا ) . فمن الطبيعي والحال هذه أن يؤخذ ابن رشد بشخصية المعلّم وبفلسفته ، هو الذي واكب طوال حياته قراءة معظم مؤلّفاته وشرحها والتعليق عليها ، ووجد فيه مثال العقلانية المتجسّدة في الفكر والرؤية الإنسانين . وهو يشير في أكثر من نص إلى مقدار إعجابه بأرسطو حتى ليقول في تلخيص كتاب القياس : « فما أعجب شأن هذا الرجل وما أشدّ مباينة فطرته للفطرة الإنسانية ، حتى كأنه الذي أبرزته العناية الإلاهية لتوقفنا معشر الناس على وجود الكمال الأقصى في النوع الإنساني محسوسا ومشارا إليه بما هو إنسان ، ولذلك كان القدماء يسمّونه الإلاهي » « 1 » . لكن هذا الإعجاب لم يذهب به إلى حد الانحراف الأعمى والتحيّز المتصلّب ، بل بقي متجرّدا وموضوعيّا فيما فسّر وحلّل من أفكار الحكيم اليوناني . فكان كلما دافع عن فكرة لديه قرنها بدليل دامغ أو ببرهان منطقي معلّل ، مبرزا الحق مزهقا الباطل من القول والفعل باحترام وعدل كلّيين . لقد تحمّل ابن رشد في سبيل العلم العناء والصبر ، وجابه أعداءه بشجاعة
--> ( 1 ) تلخيص منطق أرسطو لابن رشد ، تحقيق ودراسة جيرار جهامي ، منشورات الجامعة اللبنانية ، 1982 ، المجلّد الأول ، كتاب القياس ، ص 213 ، سطر 23 .