جيرار جهامي

مقدمة 7

موسوعة مصطلحات ابن رشد الفيلسوف

رجال الفقه والفكر المعروفين بموافقهم الجريئة أيام المحن . وهو يمثّل الروح العلمية بتواضعها ، إذ رفض أن يساوم ويتزلّف تنازلا عن مبادئه وآرائه وأقواله في الفقه والسياسة وطرق الحكم ، لا سيّما في موافقه الفلسفية من مسألة قدم العالم والزمان والحركة . فنكب وسجن ولم يتراجع دفاعا عن الحقيقة الفلسفية وعن العقل ، في ممارسته الفعل السلوكي والسياسي « 1 » . وهذا ما دفع بالحاكم المنصور أيام الدولة الموحّدية إلى إحراق معظم كتبه خوفا من تسرّب آرائه إلى العلماء وعامة الناس ، لا سيّما بين من ناصروه من تلامذته . فنفي إلى قرية اليسانة بعد اتهامه بالكفر إرضاء للعلماء . وقد عاد بعد هدوء هذه العاصفة إلى بلاط مراكش ، لكنه ما لبث أن توفي عام 595 ه / 1198 م . قال فيه المستشرق دي بور : « وقد يشبه أن يكون قد قدّر لفلسفة المسلمين أن تصل في شخص ابن رشد إلى فهم فلسفة أرسطو ثم تفنى بعد بلوغ هذه الغاية » « 2 » ، ملمحا إلى دوره المركزي في استنهاض الفلسفة العربية والإسلامية واستكمالها . بقي ابن رشد ، طوال ممارسته مهمّة القاضي والطبيب ، وتأليفه في ميادين العلم والفلسفة ، موضوعي النزعة ما دام يبتغي الكشف عن وحدانية الحقيقة ، وإن بدت ثنائية المنهجية بين رجل الدين والفيلسوف . فعدالة القضاء اقتضت منه أن يحكم بالعدل ويحترم رأي الآخرين وإن خاصموه وباتوا من نقّاده . وفي هذا المنحى عاب على الغزالي نكرانه جميل الفلاسفة وإن أخطأوا أحيانا في تأويلاتهم وبراهينهم . لم يبخّس يوما بأهمية أقوال الآخرين في سعيهم وتفتيشهم عن الحقيقة ، أكان يناصرهم الرأي أم يخالفهم فيه ، لا سيّما أن التواصلية الفكرية تقتضي أن يقتدي اللاحق بالسابق والخلف بالسلف . وما أذهلنا عند جمعنا لمصطلحاته وفرة مجموعة المفردات والتراكيب اللفظية التي تنتمي إلى الخلقيات ومبادئ المعاطاة الثقافية مع الآخرين . نذكر منها وبتصرّف على سبيل المثال لا الحصر : وجوب الاعتراف بالسلف ( أشاركنا الرأي والملّة أم لا ) ، العدل في المحاججة ، الإقلاع عن البغضاء والسفاهة ، مدح الآخر لقوله الحقيقة ، طلب الحق لذاته الخ . . .

--> ( 1 ) يردّ محمد عابد الجابري أسباب النكبة إلى مواقف ابن رشد السياسية ابتداء ، والتي عكسها كتابه « الضروري في السياسة - مختصر كتاب السياسة لأفلاطون » راجع ابن رشد سيرة وفكر ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، الطبعة الأولى ، 1998 ، الفصل الثالث . ( 2 ) دي بور ، تاريخ الفلسفة في الإسلام ، تعريب أبو ريده ، القاهرة ، الترجمة العربية ، 1938 ، ص 256 .