جيرار جهامي
مقدمة 21
موسوعة مصطلحات ابن رشد الفيلسوف
والطبيعية ، والكلامية ، والعلمية . تمّ ذلك ، بواسطة منهجية الفصل هذه دون إسقاط نهج الوصل المعرفي والعقلي ، نظرا إلى التداخل الحاصل عند الأولين بين هذه العلوم إلى حدّ التلاقح وبثّ دعوى الدمج . وقد عكس ابن رشد نهج المقاربة العقلي هذا مبيّنا في فصل المقال أن الشرع ذاته أوجب النظر الفلسفي ، وإعمال العقل قياسا في الكشف عن سر الصانع من خلال مصنوعاته . فالاعتبار شرعا يقضي باستخراج المجهول من المعلوم ، كما التأويل والاستنباط . وبذلك يكون ابن رشد قد تمكّن من تضمين المصطلح الواحد كالفاعل ، أو المصطلح الزوج كالقدم والحدوث ، معاني تنسحب على كل علم وفقا لمنهجه ومستواه وغرضيته ، دلالة منه على ما للنظر من مجالات يستطيع أن يشملها فصلا ووصلا بين علوم أصيلة وأخرى دخيلة ، بين علوم شرعية وأخرى بحتة . فالصنائع الطبّية والتجريبية ، وصناعة التشريح بحدّ ذاتها مثلا ، تستلهم قسمتها من الصنائع الفكرية لا سيّما القياسية . وسببية الأمراض أو العلل هي فرع من السببية الطبيعية ومدى فاعليتها في المسبّبات . كذلك الأمر بالنسبة إلى علم أصول الفقه بالمقابل إذ الألفاظ فيه ودلالاتها توازي ما لعلاقة اللفظ بالمعنى من تضمّن وتلازم وتجاوز ، أو من جهة الدلالة على القرائن أو على الشروط . لقد بانت ميزة المصطلح الفلسفي الرشدي جليّة وهو ينسحب على مستويات تعبيرية مختلفة ، أو يشكّل بمرادفاته حقولا دلالية تغطّي فروع العلوم وعلى تدرّجات أبحاثها كافة . وقد استطاع ابن رشد بواسطته العبور من الحقيقة إلى المجاز ، من الظاهر إلى الباطن ، ومن الجزئي إلى الكلي ، منطوقة كانت معانيه أم مضمرة . وموسوعتنا المصطلحية هذه تبرز هذه الظاهرة الفريدة عنده بدليل أنها تفصح عن همّه التعبيري عن واقعه المعقّد كإنسان حسم أمر الازدواجية الفكرية ورفض التلفيق الفارابي والسينوي . حسبه أنه وضع أسسا فكرية ونقدية صالحة لأن تثمر تحرّرا عقليّا وسلوكيّا في أجواء أقلّ تلبّدا من تلك التي عانى منها وعايشها . تمكّن ابن رشد ، وبواسطة المصطلح الفلسفي والفقهي والعلمي كما جمعناه ، جعل اللغة العربية لغة وصل بين العلوم على أنواعها وتبعا لفروعها . فلا انفصام بعد اليوم على الصعيد الذهني طالما أن التداخل حاصل حتما بينها ، مع محافظتنا سلفا كما ذكرنا على خصوصية كل علم بحدّ ذاته في مبادئه ومصادراته على المطلوب .