جيرار جهامي
مقدمة 19
موسوعة مصطلحات ابن رشد الفيلسوف
أما النزعة اللسانية فإنها لم تغب عن شروحات ابن رشد وتحليلاته ، لكنه تميّز عن الفارابي بعدم دمجه المعنى اليوناني بالمعنى العربي ، وفصله إشكالية المصطلح الفلسفي عن مسألة طبيعة اللغة بحدّ ذاتها . فاهتمّ بالمفردات من حيث مضامينها المعنوية وأبعادها الفكرية ، وقلّما ألمح إلى جذورها واستعمالاتها البيانية ، وإن أفاض في ذلك تبعا لغرض كتابي الخطابة والشعر . وقد أشرنا إلى عدم حاجته لإثارة مواضيع لغوية ونحوية كما حصل للفارابي ، نظرا إلى أن اللغة أمست مطواعة لدى المتأخّرين الذين جمعوا ما توفّر لديهم من غنى الألفاظ كمّا وكيفا . إن شمولية لغة ما بعد الطبيعة بحدّ ذاتها ، والجوامع والرسائل ، تعكس من جهتها هذه الموسوعية اللفظية والفكرية ، ما دام يستعيد ابن رشد بواسطتها مجمل مواقف السالفين من مشائين ومتكلّمين ، فضلا عن آراء أفلاطون وأرسطو المتقابلة . فقد ولج فكريّا تفاصيل تخصّ أصول المادة والخلق ومدى كيفية تطوّر العلاقة بين الخالق والموجودات ، مع إلحاحه بأن دور المحرّك الأول لا بدّ أن يتجاوز فعل التحريك بالذات ويمتدّ إلى التكليف والعناية . وكلها نظريات توسّع في إثباتها في التهافت ، دلالة على استيعابه الرؤية الأرسطية الفلسفية ضمن الأفلاك الشرعية والأطر الدينية . فالفاعل عنده مثلا أخصّ من المحرّك إذ يحدث الأثر كالعلّة ، بل هو صانع عالم حكيم . وهذه الفاعلية لديه لا بدّ أن تنعكس على العلاقة الوثيقة بين السببيتين الطبيعية والإلهية . حاول ابن رشد مرارا الخروج من مأزق ثنائية اللغة الفلسفية - الدينية ، وقياسا ثنائية المنهجية المعرفية ، مع حرصه على الإبقاء على مبادئ وطروحات وغايات كلّ منهما على حدة . حاول ذلك بواسطة العقل المنظّر والذهن المجرّد ، ربطا بين جزئيات المعرفة في مراميها المختلفة . فالنفس الناطقة واحدة موحّدة لقواها ، كوعي لموضوعها ولذاتها ، وإن تعدّدت وظائفها وتضاربت على مستويات المعرفة كافة . كذلك العقل يربط بين جزئيات العلوم ونتائجها الكلية ، يعقل ذاته ويفصّل المعقول ليركّبه حسبما يبتغي . وهذا الاتجاه يحدو بنا إلى الإشارة بأن عقل ابن رشد المنفتح على الوافد عالج هذه الثنائيات المعرفية بنظرية أحدية إلى حقائق الأمور ، إذا تبنّى منهجية برهانية تنطلق من مبادئ وأصول ومسلّمات كل علم لتقبل ما يتفرّع عنها داخل النظام المعرفي الواحد فحسب . إن المماثلة بالمقايسة