جيرار جهامي
مقدمة 12
موسوعة مصطلحات ابن رشد الفيلسوف
مختلف من البحث والمسلّمات . المطلوب إذا ولوج عقل الآخر كعقل مختلف ، والاختلاف في الرأي حقّ يكرّسه ابن رشد ؛ ولوجه لا إقصاؤه أو محاولة السيطرة عليه كما فعل الغزالي حين حطّم فكر الفلاسفة الذين لهم نسقهم الخاص في البحث ، ومنطقهم الذاتي المتكافئ البراهين . فكما التعبيرية الفلسفية تشير إلى العبور من الحس إلى المعنى ، ومن البنية إلى الحقيقة ، هكذا تبدو حال العبورية أو الاعتبارية الرشدية ، إذا صحّ القول ، وقد أمّنت بواسطة الانفتاح العقلي عملية الانتقال من الفكر الذاتي إلى فضاء فكر الآخر لاستيعاب ظاهر قوله ، ومن ثمّ تفهّم باطنه لولوج حقيقته . بعدها يأتي دور التكاملية حيث الاشتراك والإشراك في تحقيق مشترك لكمال الحقيقة بين ذاتين أو أكثر لبلوغ السعادة العقلية والنفسية « 1 » . فيستحيل التحقيق الفلسفي كما شاءه ابن رشد تحقيقا ذاتيّا ، معبّرا عنه باللسان العربي ، وقد هضم مقولات الآخر ومناهجه ، لكنه صاغها من عندياته ، بما يخوّله الالتزام بها وقد حافظ فيها على خصوصيات ذاته ، وهذا مما سيمكّنه لاحقا مواجهة الآخر وقد استحال هو صاحب فكر مضارع له . طرح التحدّي على صعيد ذاك المفكّر العربي الإسلامي الذي نهل يوما من منابع الثقافة اليونانية ، لا سيّما الأرسطية ، لكنه عرف كيف يهضمها ويتجاوزها في آن . بدأ ابن رشد مفكّرا تحصيليّا يجمع معطيات ثقافة الأقدمين ، يلخّصها ويشرحها وهو في حال التدرّب على طرق طرح السؤال الفلسفي ومناهج الجواب عليه . ثم أمسى مفكّرا توصيليّا حاول الوصل بين ما انقطع من قطاعات الوعي الإنساني : بين فلسفة وأخرى ، شريعة وفرق شرعية ، حكمة وشريعة ؛ إلى أن أدرك أفق المفكّر التأصيلي الذي قعّد فلسفته الذاتية ، حتى بات مقاما فكريّا ومثالا معنويّا لأجيال المفكّرين اللاحقة . يكمن دور ابن رشد في أنه عرف كيف يزيح عن كاهل الفيلسوف والفقيه هاجس قضية التشابك والإشكالات الحاصلة عند خوض الفقهاء ميادين الشرعيات وأصول الفقه حينا ، ومن ثمّ تطرّقهم لمسائل إلهية لا إمكانية لتأمين إجماع الآراء حولها أحيانا . فطالب بقبول الأمور العملية الشرعية في مطلع كتاب « بداية
--> ( 1 ) التعبيرية والتكاملية لفظتان خرّجهما فريد جبر « فتفيد التعبيرية النسبة إلى التعبير والقول به . وتعني التكاملية ، من الباب ذاته ، النسبة إلى التكامل واتّخاذه مذهبا في النظر والتفكير » . راجع مقاله « التعبيرية والتكاملية » في مجلة الفكر العربي ، العدد 42 ، ص 20 وما يليها .