جيرار جهامي
مقدمة 13
موسوعة مصطلحات ابن رشد الفيلسوف
المجتهد ونهاية المقتصد » لأن لا مراء فيها ولا إشكال ، ولكن عن إدراك وتبصّر ذاتيين . كذلك فصل المقال بين منهجيتي علمي الطبيعيات والإلهيات في كتاب « تهافت التهافت » . عاب مثلا على الفلاسفة دمجهم ، وفي دليل الزمان ، بين العالمين إذ ليس من شأن اللّه أن يكون في زمان ، بينما العالم يقع ضمنه . لذا لا تصحّ المقايسة بين القديم والعالم . وفي كتاب « فصل المقال » ، وبعد وضعه شروط التأويل الصحيح على عادة لسان العرب ، طالب بعدم القطع بكفر من خرق الإجماع في المسائل الإلهية طالما هي تقع في حقل النظريات لا العمليات ، وبالتالي يستحيل الوصول إلى يقين فيها . فلكل علم إذا جنس محدود ينظر فيه ، وبرهان يقوم على مبادئ خاصة به . لكن هذا لا يعني إسقاط مبدأ المقارنة بين العلوم ، والاستعانة بمنهجية هذا العلم للدلالة على أصول ذاك . فالمنهجية الجدلية - البرهانية مثلا ( methode diaporematique ) يصحّ استعمالها في البحث عن المبادئ الماورائية . إن الجدل هنا كعلم وكمنهج لا يطبّق فقط في سبيل وضع أصول المحاورة ، إنما نلتزمه أيضا للبحث عن الآراء المتقابلة في الإلهيات والماورائيات ، فنقارن بينها لنتبيّن أيّها أصلح أو أصوب تبعا لمراتب البرهان واليقين العقليين . إن الحق واحد إذا وإن تعدّدت سبل الوصول إليه . و « الحكمة ، كما يقول ابن رشد ، هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة ، فالإذاية ممن ينسب إليها هي أشدّ الإذاية ، مع ما يقع من العداوة والبغضاء والمشاجرة ، وهما المصطحبتان بالطبع المتحابتان بالجوهر والغريزة . . . وقد أذاها أيضا كثير من الأصدقاء والجهّال ممن ينسبون أنفسهم إليها » « 1 » . فما من فكر أو دين يستطيع أن يدّعي الحق ، ويطبّق مقاييسه الذاتية بإطلاق على فكر أو دين الآخرين . وابن رشد في هذا المنحى صاحب دعوة حوارية بين الثقافات والأديان ، ترسيخا لمعالم اجتماعية تعتمد مقاييس عامة يتلاقى حولها جميع الناس طالما هي ترضي اللّه والعقل والإنسان معا . لذا انتقد ابن رشد الغزالي حين حدّ هذا الأخير من فاعلية العقل ومساره التطويري ، طالما هو يشكّل مفتاح الطريق المرجوّة التي توصلنا إلى الحق وإلى انفتاح الإنسان على الفضائل والمثل العليا . فتوحيد الغزالي مثلا طبيعة السببية
--> ( 1 ) ابن رشد ، فصل المقال ، سلسلة التراث الفلسفي العربي ، مؤلّفات ابن رشد ، إشراف محمد عابد الجابري ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1997 ، ص 125 .