سميح دغيم

99

موسوعة مصطلحات صدر الدين الشيرازي

باختياره ، فإنّ أفعال العباد من جهة نسبتها إلى مبادئها القريبة واقعة باختياره على سبيل الاحتمال والإمكان . ومن جهة نسبتها إلى السبب الأول ومبادئها البعيدة - من قضاء اللّه وقدره وعلمه وقدرته - واقعة من العبد على سبيل البتّ والوجوب . ففعل العبد من جهة وقوعه باختياره يحكم عليه ب " القدر والتفويض " - أي : بكونه واقعا بقدرتنا ، مفوّضة إلينا - ومن جهة وقوعه بمشيئة اللّه وقضائه وقدره ، والوسائط المترتّبة المستندة - على ترتيبها في سلسلة العلل والمعلولات - إلى اللّه ، يحكم عليه ب " الجبر " كما سبق . فلفظة " لعلّ " كلّما جاءت في القرآن فهي بحسب الاعتبار الأول ، وهو وقوع الأمور من أسبابها القريبة . ( تفسق ( 3 ) ، 382 ، 21 ) - الوجود في كل مرتبة يقتضي ماهيّة خاصّة ، تلزمها خواص ولوازم حاصلة بلا جعل جاعل وتأثير مؤثّر ، لأنّ الماهيّة ولوازمها غير مجعولة ، فعين الكلب مثلا ماهيّة تقتضي النجاسة العينية من غير جعل وإفاضة يتعلّقان بها وإنّما الفائض من الباري جلّ ذكره هو وجودها ، فليس له تعالى إلّا إفاضة الوجود ، فإنّ نفس الوجود هو نور يفيض منه تعالى على القوابل حتى القاذورات والأعيان النجسة - شخصية كانت أو نوعية - ومنشأ تخصّصات الأفعال والآثار خصوصيات الأعيان الثابتة التي ما شمّت رائحة الوجود . إذا عرفت هذا فقس عليه أفعال العباد واجعلها وقاية عن نسبة الشرور والآفات إلى الحقّ الجوّاد . ( تفسق ( 5 ) ، 123 ، 4 ) - إن أردت مثالا لأن تعلم به كيفيّة كون الأفعال الصادرة عن العباد هي بعينها فعل الحقّ ، لا كما يقوله الجبري ، ولا كما يقوله القدري ، ولا كما يقوله الفلسفي ، فانظر إلى أفعال الحواس والقوى التي للنفس الناطقة التي خلقه اللّه مثالا له تعالى ذاتا وصفة وفعلا ، لقوله عليه السلام : " من عرف نفسه فقد عرف ربّه " . فإنّ التحقيق عند النظر العميق أنّ فعل كل حاسّة وقوة - من حيث هو فعل تلك القوّة - فعل النفس . فالإبصار مثلا فعل البصر ، وكذا السماع فعل السمع بلا شكّ ، لأنّه لا يمكن شيء منها إلّا بانفعال جسماني ، وهو بعينه فعل النفس بلا شكّ ، لا كما اشتهر في الحكمة الرسمية أنّ النفس تستخدم القوة كمن يستخدم كاتبا أو ناقشا ، والفرق بأنّ الاستخدام ههنا طبيعي ، وهناك غير طبيعي . بل كما حقّق في مقامه من أنّ النفس بعينها تكون عينا باصرة وأذنا سامعة ، وكذا تكون قوة باطشة في اليد ، وقوة ماشية في الرجل ؛ فبها يبصر العين الباصرة ، وبها يسمع الأذن السامعة ، وبها يبطش اليد الباطشة ، وبها يمشي الرجل الماشية . فالنفس مع تجرّدها وتنزّهها عن البدن وقواه لا يخلو منها جزء من أجزاء البدن عاليا كان أو سافلا ، ولا تقوّمها قوة من أقوى بمعنى أنّ لا هويّة للقوى غير هوية النفس ؛ لأنّ النفس هويّة أحديّة عقلية ، جامعة لهويّات سائر القوى والأجزاء ، تستهلك عندها وتضمحلّ لديها