رفيق العجم
31
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
يحتزر الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس ، سواء كان ما خاض فيه من علوم الدنيا أو من علوم الآخرة : فإنّ ذلك يدهش عقله ويحيّر ذهنه ويفتر رأيه ويؤيّسه عن الإدراك والاطّلاع ، بل ينبغي أن يتّقن أولا الطريق الحميدة الواحدة المرضيّة عند أستاذه ، ثم بعد ذلك يصغي إلى المذاهب والشبه . وإن لم يكن أستاذه مستقلّا باختيار رأي واحد وإنّما عادته نقل المذاهب وما قيل فيها فليحذر منه ، فإنّ إضلاله أكثر من إرشاده فلا يصلح الأعمى لقود العميان وإرشادهم ، ومن هذا حاله يعدّ في عمى الحيرة وتيه الجهل ، ومنع المبتدئ عن الشبه يضاهي منع الحديث العهد بالإسلام عن مخالطة الكفار ، وندب القوي إلى النظر في الاختلافات يضاهي حثّ القوي على مخالطة الكفار ؛ ولهذا يمنع الجبان عن التهجّم على صفّ الكفار ويندب الشجاع له . ( ح 1 ، 64 ، 23 ) - الوظيفة الخامسة ( من آداب المتعلّم ) : أن لا يدع طالب العلم فنّا من العلوم المحمودة ولا نوعا من أنواعه إلّا وينظر فيه نظرا يطّلع به على مقصده وغايته ، ثم إن ساعده العمل طلب التبحّر فيه وإلّا اشتغل بالأهمّ منه واستوفاه وتطرف من البقيّة ؛ فإنّ العلوم متعاونه وبعضها مرتبط ببعض ، ويستفيد منه في الحال الانفكاك عن عداوة ذلك العلم بسبب جهله . ( ح 1 ، 65 ، 12 ) - الوظيفة السادسة ( من آداب المتعلّم ) : أن لا يخوض في فن من فنون العلم دفعة بل يراعي الترتيب ويبتدئ بالأهم . فإنّ العمر إذا كان لا يتّسع لجميع العلوم غالبا فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه ويكتفي منه بشمّه ويصرف جمام قوّته في الميسور من علمه إلى استكمال العلم الذي هو أشرف العلوم وهو علم الآخرة . أعني قسمي المعاملة والمكاشفة ، فغاية المعاملة المكاشفة . وغاية المكاشفة معرفة اللّه تعالى . ( ح 1 ، 65 ، 20 ) - الوظيفة السابعة ( من آداب المتعلّم ) : أن لا يخوض في فن حتى يستوفي الفن الذي قبله ؛ فإنّ العلوم مرتبة ترتيبا ضروريّا وبعضها طريق إلى بعض ، والموفق من راعى ذلك الترتيب والتدريج . ( ح 1 ، 66 ، 10 ) - الوظيفة الثامنة ( من آداب المتعلّم ) : أن يعرف السبب الذي به يدرك أشرف العلوم ، وأنّ ذلك يراد به شيئان : أحدهما : شرف الثمرة ، والثاني : وثاقة الدليل وقوّته ، وذلك كعلم الدين وعلم الطب ، فإن ثمرة أحدهما الحياة الأبديّة وثمرة الآخر الحياة الفانية فيكون علم الدين أشرف . ومثل علم الحساب وعلم النجوم ، فإنّ علم الحساب أشرف لوثاقة أدلّته وقوّتها وإن نسب الحساب إلى الطب كان أشرف باعتبار ثمرته ، والحساب أشرف باعتبار أدلّته وملاحظة الثمرة أولى ؛ ولذلك كان الطب أشرف وإن كان أكثره بالتخمين . وبهذا تبيّن أنّ أشرف العلوم العلم باللّه عزّ وجلّ وملائكته وكتبه