رفيق العجم

مقدمة 8

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

خرج الغزالي بعد وفاة الجويني إلى معسكر نظام الملك الوزير « 1 » ، الذي جمع مجلسه أهل العلم ، فناظر الأئمة من العلماء ، وقهر الخصوم ، وظهر كلامه عليهم ، فاعترفوا بفضله وتمكّنه ، ورأوا فيه الموهبة والتحصيل . كرّم الوزير الإمام وعظّمه ، ثم ولّاه التدريس بالنظامية في مدينة بغداد ، التي جاءها وألقى فيها الدروس عام 484 ه ، وأعجب به أهل العراق وارتفعت منزلته بينهم وصار إمام العراق بعد إمامة خراسان . وقيل إنه شهد الاحتفال ببيعة الخليفة المستظهر باللّه عام 487 ه . ترك كل ذلك في ذي القعدة سنة 488 ه ، حيث ظهرت عليه أزمة روحية استمرّت ستة أشهر تقريبا إلى أوائل 489 ه . سلك خلالها طريق الزهد والانقطاع ، وقصد الحجّ . ولما رجع توجّه إلى الشام فدخل مدينة دمشق سنة 489 ه ولبث فيها أياما يسيرة ، توجّه بعدها إلى بيت المقدس ، فأقام بها مدة ، ثم عاد إلى دمشق ، وأقام بها يدرّس في الجانب الغربي من الجامع الأموي . وهناك التقى أبا الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر النابلسي المقدسي ( المتوفي 490 ه ) . وكان إماما محدثا فقيها شافعيّا ، استوطن بيت المقدس ثم تحوّل في آخر عمره وسكن دمشق متّخذا الزاوية الغربية من الجامع ، أخذ عنه خلق كثير وتفقّه به أبو حامد الغزالي . وقيل إنه انتقل من دمشق إلى مصر والإسكندرية ، حيث أقام هناك مدة زار خلالها المساجد والمشاهد والترب . وقال الصفدي : أنه عزم على ركوب البحر للاجتماع بالأمير يوسف بن تاشفين صاحب مراكش ، لكن بلغه نعيه حوالي 500 ه لكن معظم المراجع تقول أنه كان آنذاك في خراسان وليس في الإسكندرية . علما أن الغزالي وابن تاشفين سبق أن تراسلا ، ففي العام 487 ه أفتى الغزالي لسلطان مراكش بحقّه في عزل الأمراء العصاة « 2 » . ولم تقتصر الراوية على الصفدي بل ذكرها السبكي والعيني . وإنّنا نرجّح أن الغزالي كما أجمعت المصادر عاد إلى بغداد ثم طوس بدءا من العام 490 ه . فعليه يستحيل وجوده في مصر بعد ذلك ، لأن المراجع لم تورد تنقّله بل أجمعت تقريبا على عزلته وتزهّده وانفراده للدرس والكتابة . فربما عزم الغزالي السفر بحرا ، وتناقل الخبر شفهيا لكن أثناء تنقّله بين دمشق وبيت المقدس ومصر . ثم تراجع عن ذلك لأسباب نجهلها . فعزا من عزا السبب إلى وفاة ابن تاشفين على عادة قيام الخبر والتدليس في الحدث التاريخي .

--> ( 1 ) أبو علي حسن بن علي بن إسحاق الطوسي ولّي الوزارة لألب إرسلان ثم من بعده لابنه ملكشاه - ملوك السلاجقة الترك - توفي عام 485 ه اغتيالا على يد أحد أتباع الصبّاح من الباطنية كما جاء في عدّة مراجع . ( 2 ) ذكر ذلك ابن خلدون في تاريخه ج 6 ، ص 187 طبعة بولاق 1284 ه .