رفيق العجم

421

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

إظهار وجود الحكم عند وجود وصف في محل ، وإظهار عدمه عند عدم ذلك الوصف في محل آخر ، كما يقول الحنفي مثلا : الجص مكيل ، فيجري فيه الربا كالبر ، فيقال له : ولم قلت : إن العلّة في البر هي الكيل ؟ فيقول : لأن البر مع الأشياء الثلاثة ، لما كان مكيلا مقدرا : جرى فيه الربا ؛ والثياب والعبيد لما لم تكن مكيلا مقدرا : لم يجر فيها الربا . فوجد هذا الوصف مع وجود الحكم ، وعدم مع عدمه . فهذا وأمثاله فاسد : لأن الحكم يوجد مع أوصاف وفاقية يقارنها ، وينعدم عند انعدام أوصاف وفاقية ، فلم يستمكن هذا المستدلّ من أن يقول : وجد الحكم بوجوده وعدم بعدمه ؛ بل قال : وجد مع وجوده في موضع ، وعدم مع عدمه . وهذا وإن سلم سلامته عن النقض في الطرد والعكس ، فلا خير فيه من طريق الاطراد والانعكاس . وقد يمكن التعلّق به بطريق الشبه ، . . . هذا وجه في الطرد والعكس . والوجه الثاني : أن يستمكن المستدلّ من ادّعاء وجوده بوجوده ، وعدمه بعدمه . وذلك : إذا استقام فهو دليل على كون الوصف علّة عندنا . بل نزيد فنقول : إذا سلم قوله : أنه وجد بوجوده ؛ كفاه ذلك ، ولم يشترط أن يبيّن انعدامه بعدمه ، بعد الوجود ؛ إذ في الوجود بوجوده ، بيان الانعدام بعدمه ؛ إذ كان قبل الوجود منعدما ، وكان انعدامه بانعدام ما وجد بوجوده . فهذا القدر كاف . ونحن نضرب لذلك ثلاثة أمثلة ، ونرتّب الدليل على تقرير وجه الأمثلة : المثال الأول ، هو أن نقول : العلّة في تحريم الخمر : الشدّة والإسكار ؛ لأنه يوجد بوجودها ، إذ كان منعدما : حيث كان عصيرا ، فلم يتجدّد إلا الشدّة فتجدّد التحريم ثم صار خلا ، فصار حلالا : فانعدم بعدمه . وهذه زيادة لا حاجة إليها ؛ إذ في تجدّد التحريم ، بتجدّد الشدّة - يدلّ على أن الشدّة هي العلّة فنقيس بهذه الرابطة سائر الأنبذة ، على الخمر . المثال الثاني : هو أن يقول الحنفي في الصبي العاقل : إنه تنعقد بعبارته العقود ، لأنه عاقل : فتنعقد العقود بعبارته ، كالبالغ . فقيل له : وما الدليل على أن العقل - في حق البالغ - هو المناط لصحة العبارة ؟ فيقول : إنه عدم بعدمه ، فإنه إذا جنّ : لم يعدم إلا العقل ؛ فإن أفاق : لم يتجدّد إلا العقل . فقد وجد بوجوده ، وعدم بعدمه . المثال الثالث هو أن نقول في العبد : إنه رقيق ، فينشطر حدّ الزنا في حقه كالأمة ، ونقيس على الأمة : لأن النص وارد في حق الأمة ؛ إذ قال تعالى : فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ( النساء : 25 ) . فيقال : وما الدليل على أن الرق علّة ؟ . قلنا : هو أن التشطير يعدم بعدمه ؛ فإنها لو عتقت : لم ينشطر حدّها . ففي هذه الصور : إذا ظهر الوجود بوجود الوصف . ( ش ، 267 ، 12 ) - الطرد والعكس وقد قال قوم الوصف إذا ثبت الحكم معه وزال مع زواله يدلّ على أنه علة ( الأصل ) وهو فاسد ، لأن الرائحة