رفيق العجم
356
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
منهم ولا تنتهي قوتهم إلى التصرّف في ظاهرهم بالإلزام والمنع . والرابعة الوعّاظ وحكمهم على بواطن العامة فقط . وأشرف هذه المقامات بعد النبوة إفادة العلم وتهذيب نفوس الناس عن الأخلاق المذمومة المهلكة وإرشادهم إلى الأخلاق المحمودة المسعدة ، وهو المراد بالتعليم . وإنما قلنا إن هذه أشرف من سائر الصناعات . ( ف ، 6 ، 2 ) سياسة بالتأليف والاستصلاح - أشرف . . . الصناعات أصولها ، وأشرف أصولها السياسة بالتأليف والاستصلاح ولذلك تستدعي هذه الصناعة من الكمال فيمن يتكفّل بها ما لا يستدعيه سائر الصناعات ، ولذلك يستخدم لا محالة صاحب هذه الصناعة سائر الصنّاع ، والسياسة في استصلاح الخلق وإرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجي في الدنيا والآخرة على أربع مراتب : الأولى : وهي العليا : سياسة الأنبياء عليهم السلام وحكمهم على الخاصّة والعامّة جميعا في ظاهرهم وباطنهم . والثانية : الخلفاء والملوك والسلاطين وحكمهم على الخاصّة والعامّة جميعا ولكن على ظاهرهم لا على باطنهم . والثالثة : العلماء باللّه عزّ وجلّ وبدينه الذين هم ورثة الأنبياء ، وحكمهم على باطن الخاصة فقط ، ولا يرتفع فهم العامة على الاستفادة منهم ولا تنتهي قوتهم إلى التصرّف في ظواهرهم بالإلزام والمنع والشرع . والرابعة : الوعّاظ وحكمهم على بواطن العوام فقط ؛ فأشرف هذه الصناعات الأربع بعد النبوّة إفادة العلم وتهذيب نفوس الناس عن الأخلاق المذمومة المهلكة وإرشادهم إلى الأخلاق المحمودة المسعدة ، وهو المراد بالتعليم . ( ح 1 ، 24 ، 3 ) سياسة الخلق - كما أنّ سياسة الخلق بالسلطنة ليس من علم الدين في الدرجة الأولى ؛ بل هو معين على ما لا يتمّ الدين إلا به ، فكذلك معرفة طريق السياسة ، فمعلوم أنّ الحج لا يتمّ إلّا ببذرقة تحرس من العرب في الطريق ، ولكنّ الحجّ شيء وسلوك الطريق إلى الحجّ شيء ثان ، والقيام بالحراسة التي لا يتمّ الحجّ إلّا بها شيء ثالث ، ومعرفة طرق الحراسة وحيلها وقوانينها شيء رابع ، وحاصل فن الفقه معرفة طرق السياسة والحراسة ويدلّ على ذلك ما روي مسندا " لا يفتي الناس إلا ثلاثة " أمير أو مأمور أو متكلّف " ، فالأمير هو الإمام وقد كانوا هم المفتون ، والمأمور نائبه ، والمتكلّف غيرهما : وهو الذي يتقلّد تلك العهدة من غير حاجة . وقد كان الصحابة رضي اللّه عنهم يحترزون عن الفتوى ، حتى كان يحيل كل منهم على صاحبه ، وكانوا لا يحترزون إذا سئلوا عن علم القرآن وطريق الآخرة ، وفي بعض الروايات بدل المتكلّف : المرائي ؛ فإنّ من تقلّد خطر الفتوى وهو غير متعيّن للحاجة فلا يقصد به إلّا طلب الجاه والمال . ( ح 1 ، 29 ، 3 )