رفيق العجم

313

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

محال ، فدلّ على أنه واحد وهو باتفاق العقلاء جزء لا يتجزّأ أي شيء لا ينقسم ، إذ لفظ جزء غير لائق به لأن الجزء إضافة إلى الكل ولا كل هنا ، فلا جزء إلا أن يراد به ما يريد القائل بقوله الواحد جزء من العشرة . فإنك إذا أخذت جميع الأجزاء التي بها قوام العشرة في كونها عشرة كان الواحد من جملتها ، وكذلك إذا أخذت جميع الموجودات أو جميع ما به قوام الإنسان في كونه إنسانا كان الروح واحدا من جملتها . فإذا فهمت أنه شيء لا ينقسم فلا يخلو إما أن يكون متحيّزا أو غير متحيّز ، وباطل أن يكون متحيّزا إذ كل متحيّز منقسم والجزء الذي لا يتجزّأ باطل أن يكون منقسما بأدلّة هندسية وعقلية أقرّ بها أنه لو فرض جوهر بين جوهرين لكان كل واحد من الطرفين يلقى من الوسط غير ما يلقى الآخر ، فيجوز أن يقوم بالوجه الذي يلقاه هذا الطرف علم وبالوجه الآخر جهل فيكون عالما جاهلا في حالة واحدة بشيء واحد وكيف لا ، ولو فرض بسيط مسطّح من أجزاء لا تتجزّأ لكان الوجه الذي يحاذينا ونراه غير الوجه الآخر الذي لا نراه ، فإن الواحد لا يكون مرئيّا وغير مرئي في حالة واحدة ولكانت الشمس إذا حاذت أحد وجهيه استنار بها ذلك الوجه دون الوجه الآخر ، فإذا ثبت أنه لا ينقسم وأنه لا يتجزّأ ثبت أنه قائم بنفسه وغير متحيّز أصلا . ( أج ، 350 ، 13 ) - الروح ، وهو أيضا يطلق فيما يتعلّق بجنس غرضنا لمعنيين : أحدهما : جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني ، فينشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن ، وجريانه في البدن وفيضان أنوار الحياة والحسّ والبصر والسمع والشمّ منها على أعضائها ، يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت ، فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلّا ويستنير به ، والحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان ، والروح مثالها السراج ، وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محرّكه ، والأطباء إذا أطلقوا لفظ الروح أرادوا به هذا المعنى ، وهو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب ، وليس شرحه من غرضنا ، إذ المتعلّق به غرض الأطباء الذين يعالجون الأبدان ؛ فأما غرض أطباء الدين المعالجين للقلب حتى ينساق إلى جوار ربّ العالمين ، فليس يتعلّق بشرح هذه الروح أصلا . المعنى الثاني : هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان ، وهو الذي شرحناه في أحد معاني القلب ، وهو الذي أراده اللّه تعالى بقوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ( الإسراء : 85 ) وهو أمر عجيب ربّاني تعجز أكثر العقول والأفهام عن درك حقيقته . ( ح 3 ، 4 ، 25 ) - الروح باقية بعد مفارقة الجسد إما معذبة وإما منعمة ، ومعنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرّفها عن الجسد بخروج الجسد عن طاعتها ، فإن الأعضاء آلات للروح تستعملها حتى إنها لتبطش باليد وتسمع بالأذن وتبصر بالعين وتعلم حقيقة الأشياء