رفيق العجم
276
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
( خلق ) لإفادة وجود حاصل عن مادة وصورة كيف كان . وقد يقال : ( خلق ) لهذا المعنى الثاني ، لكن بطريق الاختراع ، من غير سبق مادّة ، فيها قوة وجوده ، وإمكانه ( ع ، 294 ، 16 ) - النفس الإنسانية من حيث هي إنسانية فينقسم قواها إلى قوة عالمة وقوة عاملة وقد تسمّى كل واحدة منهما عقلا ولكن على سبيل الاسم المشترك إذ العاملة سمّيت عقلا لكونها خادمة للعالمة مؤتمرة لها فيما ترسم . فأما العاملة فهي قوة ومعنى للنفس هو مبدأ حركة بدن الإنسان إلى الأفعال المعيّنة الجزئية المختصّة بالفكر والرويّة على ما تقتضيه القوة العالمة النظرية التي سنذكرها . وينبغي أن يكون سائر قوى البدن مقموعة مغلوبة دون هذه القوة العملية بحيث لا تنفعل هذه القوة عنها وتلك القوى كلها تسكن وتتحرّك بحسب تأديب هذه القوة وإشارتها ، فإن صارت مقهورة حدثت فيها هيئات انقيادية للشهوات تسمّى تلك الهيئات أخلاقا رديئة ، وإن كانت متسلّطة حصلت لها هيئة استيلائية تسمّى فضيلة وخلقا حسنا ولا يبعد أن يجعل الخلق اسما لما يحصل في سائر الشهوات والقوى من الانقياد والتأدّب أو هذه القوة من الاستيلاء والتأديب ، وبالجملة لا يبعد أن يكون الخلق واحدا وله نسبتان إذ هيئة الاستيلاء من هذه القوة يلازمها هيئة الانقياد من سائر القوى وهو المراد بالخلق المحمود . ( ميز ، 21 ، 8 ) خلق التواضع - خلق التواضع : اعلم أن هذا الخلق كسائر الأخلاق له طرفان وواسطة : فطرفه الذي يميل إلى الزيادة يسمّى تكبّرا ، وطرفه الذي يميل إلى النقصان يسمّى تخاسسا ومذلّة ، والوسط يسمّى تواضعا . والمحمود أن يتواضع في غير مذلّة ومن غير تخاسس ، فإن كلا طرفي الأمور ذميم وأحب الأمور إلى اللّه تعالى أوساطها . فمن يتقدّم على أمثاله فهو متكبّر ومن يتأخّر عنهم فهو متواضع : أي وضع شيئا من قدره الذي يستحقّه . والعالم إذا دخل عليه إسكاف فتنحّى له عن مجلسه وأجلسه فيه ثم تقدّم وسوّى له نعله وعدا إلى باب الدار خلفه فقد تخاسس وتذلّل ، وهذا أيضا غير محمود بل المحمود عند اللّه العدل ؛ وهو أن يعطي كل ذي حقّ حقّه ، فينبغي أن يتواضع بمثل هذا لأقرانه ومن يقرب من درجته ، فأما تواضعه للسوقي فبالقيام والبشر في الكلام والرفق في السؤال وإجابة دعوته والسعي في حاجته وأمثال ذلك ، وأن لا يرى نفسه خيرا منه بل يكون على نفسه أخوف منه على غيره فلا يحتقره ولا يستصغره وهو لا يعرف خاتمة أمره . فإذن سبيله في اكتساب التواضع أن يتواضع للأقران ولمن دونهم حتى يخفّ عليه التواضع المحمود في محاسن العادات ليزول به الكبر عنه ، فإن خفّ عليه ذلك فقد حصل له خلق التواضع ، وإن كان يثقل عليه وهو يفعل ذلك فهو متكلّف لا متواضع ، بل الخلق ما يصدر