رفيق العجم
188
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
بين العبد وبين كل محبوب ، فإذا عرف ذلك معرفة محقّقة بيقين غالب على قلبه ثار من هذه المعرفة تألّم للقلب بسبب فوات المحبوب ، فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألّم ، فإن كان فواته بفعله تأسّف على الفعل المفوّت ، فيسمّى تألّمه بسبب فعله المفوّت لمحبوبه ندما ، فإذا غلب هذا الألم على القلب واستولى وانبعث من هذا الألم في القلب حالة أخرى تسمّى إرادة وقصدا إلى فعل له تعلّق بالحال والماضي وبالاستقبال ، أما تعلّقه بالحال فبالترك للذنب الذي كان ملابسا ، وأما بالاستقبال فبالعزم على ترك الذنب المفوّت للمحبوب إلى آخر العمر . وأما بالماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر ، فالعلم هو الأوّل وهو مطلع هذه الخيرات وأعني بهذا العلم الإيمان واليقين ، فإن الإيمان عبارة عن التصديق بأن الذنوب سموم مهلكة واليقين عبارة عن تأكّد هذا التصديق وانتفاء الشكّ عنه واستيلائه على القلب فيثمر نور هذا الإيمان مهما أشرق على القلب نار الندم فيتألّم بها القلب حيث يبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار محجوبا عن محبوبه ، كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فيسطع النور عليه بانقشاع سحاب أو انحسار حجاب فرأى محبوبه وقد أشرف على الهلاك فتشعل نيران الحب في قلبه وتنبعث تلك النيران بإرادته للانتهاض للتدارك ، فالعلم والندم والقصد المتعلّق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاثة معان مرتّبة في الحصول ، فيطلق اسم التوبة على مجموعها وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ويجعل العلم كالسابق والمقدّمة والترك كالثمرة والتابع والمتأخّر . ( ح 4 ، 4 ، 12 ) - التوبة ترك الذنب ، ولا يمكن ترك الشيء إلّا بعد معرفته ، وإذا كانت التوبة واجبة كان ما لا يتوصّل إليها إلّا به واجبا ، فمعرفة الذنوب إذن واجبة ، والذنب عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر اللّه تعالى في ترك أو فعل . ( ح 4 ، 17 ، 18 ) - حقيقة التوبة الرجوع عن طريق البعد إلى طريق القرب ولكن لها ركن ومبدأ وكمال . أما مبدؤها فهو الإيمان ، ومعناه سطوع نور المعرفة على القلب حتى يتّضح فيه أن الذنوب سموم مهلكة . فيشتعل منه نار الخوف والندم وينبعث من هذه النار صدق الرغبة في التلافي والحذر . أما في الحال فبترك الذنوب ، وأما في الاستقبال فبالعزم على الترك ، وأما في الماضي فبالتلافي على حسب الإمكان ، وبذلك يحصل الكمال . ( أر ، 143 ، 15 ) - التوبة إذا اجتمعت شرائطها ، فهي مقبولة لا محالة ، ولا يخفى عليك ذلك إن فهمت معنى القبول . أن يحصل في قلبك استعداد القبول لتجلّي أنوار المعرفة في القلب ، وإنما قلبك كالمرآة يحجبه عن التجلّي كدورات الشهوة والرغبة فيها ، ويرتفع من كل ذنب ظلمة إليه ، ومن كل حسنة نور إليه ، فالحسنات تصقل النفس . ( أر ، 146 ، 6 )