رفيق العجم
مقدمة 25
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
بالطبع ، أي بجبلة الجوهر أو الحال ، إنما بخلق من اللّه ، وتدخّل بالجزئيات التي تصدّى لها الفلاسفة ، فقارعهم على ذلك الغزالي . ثم إن المعتزلة جعلوا التولّد والسبب ينسبان إلى القدرة التي أحدثها اللّه في الإنسان وإليها ترجع أفعاله ، وفي الأشياء تحدث على سبيل التتابع . ولقد ذهب الأشاعرة مذهبا مختلفا في الحرية العقلية وفي قدرة العبد على الفعل ، ووقفوا موقفا وسطا بين الجبرية والاعتزال رافعين مفهوم الكسب ، وبه وفّقوا بين مطلقية فعل اللّه التي لا تحدّها قيود وبين إتاحة المجال أمام العبد ليخضع للثواب والعقاب ، عبر تحميله نتيجة اختيار أفعاله ضمن الممكنات أي الكسب . فاللّه الخالق القادر على الفعل المتدخّل المستمرّ أما العبد فيكتسب اكتسابا . نشأ هذا التيّار في القرنين الرابع والخامس الهجريين وامتدّ لاحقا . وهو في نشوئه والظروف السياسية التي رافقته ، إضافة إلى أوضاع الفرق التي سادت في عصره ، يختلف عمّا كان عليه الوضع إبّان نشوء الاعتزال . فقد ضعفت سلطة الخلافة العباسية وفتر دورها المركزي ، بل قويت النزعات الاستقلالية وتعاظمت قوة السلاطين بويهيين وسلاجقة . كما تمادت بعض الفرق في عدائها للسلطة المركزية وللسقف العقائدي الذي تمثّله وعارضته ، واضعة آراء وأفكار شتّى : منها ينحو نحوا باطنيّا شيعيّا والآخر ينزع نزعة وجدانية تقترب من الحلول ، وغيرها يعلن العصيان والتمرّد الخ . . . في ظروف كهذه كان لا بدّ من نشوء تيّار عقائدي يدعو إلى عودة السلطة المركزية للخليفة ، عنه تصدر التوجيهات ومنه تكون القرارات . تماما كما تكون أفعال اللّه مطلقة غير محدودة ، هو الذي يخلق الفعل والقدرة على تنفيذه ، وعلى العبد الاكتساب . كما على الرعية تدبير الأفعال وتنفيذ السياسات المحلية . كل ذلك لإعادة الدور الفاعل الأول لرأس السلطة العباسية ، ولمنع الشطط في الفقه والفتوى ولضبط الأمة . وهنا وعلى مستوى اللامفكّر به لعب قياس الشاهد على الغائب ، فتمّت المشابهة والمماثلة بين اللّه في تدبير كونه وبين الخليفة في تدبير مملكته الأرضية . بينما اختلف الأمر زمن نشوء المعتزلة كما لمّحنا سابقا . وإن الشاهد والغائب مصطلحان أقرّ بهما الأشاعرة وعرّفوهما ، ففي قول لابن فورك المتوفّى 306 ه نقلا عن أبي الحسن الأشعري المؤسّس المتوفى 324 ه : « معنى قولنا شاهد وغائب كمعنى قولنا أصل وفرع ومنظور فيه ومردود إلى المنظور فيه . . . » « 1 » .
--> ( 1 ) ابن فورك ، مجرّد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري ، تحقيق دانيال جيماريه ، بيروت ، دار المشرق ، 1987 ، ص 286 .