رفيق العجم
مقدمة 26
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
ويتّفق الأشاعرة مع المعتزلة في الجوهر والعرض ، ويعلن الأشاعرة أن العرض لا يبقى زمانين « 1 » . فلا وجود لعرض بالمطلق أو قائم بنفسه . العرض يقوم بالجسم الجوهر ووجوده في اللحظة التي يكون فيها مع الجوهر . العرض له لحظته يزول وتزول معه ، أي هو وزمنه . فالمتكلّمون لا وجود لديهم لمكان مطلق ولا لزمان مطلق ، بل الشيء يكون ومكانه وعرضه وزمانه ، لأن المتكلّمين « يجب عندهم أن يكون الوقت والمؤقّت جميعا حادثين لأن معتبرهما بالحدث لا غير » « 2 » . وربما توافق هذا مع بنيان العربية لغة ولسنا ، فالفعل بزمانه في العربية يقترن بحركة الفاعل ، مما يظهر فقدان الفعل المتّصل ، وأزمنة الفعل وفعله تخضع لأجزاء منفصلة متجدّدة . إن « الفعل على الحقيقة ضربان : ماض ومستقبل . فالمستقبل ما لم يقع بعد ولا أتى عليه زمان ولا خرج من العدم إلى الوجود . والفعل الماضي ما تقضّى وأتى عليه زمان زمانان لا أقل . . . فأما فعل الحال - الحاضر - فهو المتكوّن في حال خطاب المتكلّم ، لم يخرج إلى حيّز المضيّ والانقطاع ، ولا هو في حيّز المنتظر الذي لم يأت وقته ، فهو المتكوّن في آخر الوقت الماضي وأول الوقت المستقبل . . . فكل جزء خرج منه إلى الوجود صار في حيّز الماضي . . » « 3 » . هذه البنية اللغوية هي عينها بنية الجوهر والعرض الذي يخلقه اللّه ويزيله . إنها بنية الانفصال في الزمان كما في المكان وبنية الخلق المستمرّ . وهي التي تواجه البنية السببية ذات الاتصال والتأثير . وفي هذا الإطار تسقط فكرة التغيّر بكونها نابعة من طبع الجوهر أو العرض ، وتعود إلى فعل اللّه وخلقه المستمرّ . ومن هنا شدّد النكير على فكرة الهيولى أو المادة القديمة غير المتعيّنة ، حتى لا تكون ثمّ طبيعية توجب وجود شيء أو عدم شيء ، فالأعراض تخلق متتابعة . أدّى هذا الأمر إلى موقف من السببية والعلّية عند المتكلّمين والأشاعرة على الأخصّ . فنفوا الأسباب الفاعلة بين الموجودات وفيها ، وجعلوا العلاقة بينها علاقة تماثل وليست علاقة تأثّر وتأثير ووجود وإيجاد . وجعلوا الفعل الإلهي صنفين : الخلق المباشر من العدم ويتمثّل ذلك بقوله : كن فيكون . والتولّد الذي يحصل عبر سبب أو سلسلة من الأسباب . وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ « 4 » . ووافق الأمر دلالة السبب في اللسان العربي ، الحقل المعرفي الأعمق في ذهن العاملين في الثقافة العربية ، فالسبب : « كل شيء يتوصّل به إلى غيره . . . وجعلت فلانا لي سببا
--> ( 1 ) الباقلاني ، التمهيد في الرد على المعطلة ، تحقيق مكارثي ، بيروت ، المكتبة الشرقية ، 1957 ، ص 18 . ( 2 ) المرزوقي ، أبو علي أحمد ، الأزمنة والأمكنة ، حيدر آباد ، مجلس دائرة المعارف ، 1322 ه ، ص 139 . ( 3 ) الزجاج ، أبو القاسم ، الإيضاح في علل النحو ، تحقيق مازن مبارك ، بيروت ، النفائس ، 1982 ، ص 86 . ( 4 ) الحجر / 22 .