رفيق العجم
113
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
موصوفة بما ذكر . وحينئذ يكون وجود حقيقة الإله الموصوفة بذلك ، مسبوقا بوجود حقيقة الإنسان ، ومسبوقا أيضا بوجود حقيقة نفسه ، وصفات الإله يجب أن تكون واجبة الوجود ثابتة أزلا لذاته ، وإحدى الحقيقتين - التي هي شرط لوجود حقيقة الإله - موصوفة بما ذكر - هي حقيقة الإنسان ، وحدوثها مقطوع به ، فكيف تكون شرطا لما هو ثابت أزلا ؟ ! هذا كله إذا عنى بالأخذ : أن ذات الإله حدثت لها صفة عند خلق الناسوت ، فإن أريد بذلك : أن الحقيقتين شرط في أصل وجود ذات الإله ، جلّ اسمه ، فهذا كلام من لا عقل له ! وهذا رأي القدماء منهم . وأما المتأخّرون : فبمثل مقالة هؤلاء يقولون من غير فرقان إلّا في الاتحاد فإنهم يقولون : إن للمسيح اتحادا بإنسان جزئي ، والمسيح ، عند الفريقين ، أقنوم لحقيقة الإله فقط . وهي - عند الفريقين أيضا - حقيقة غير مركّبة ، أخذت من الحقيقتين . يعنون بالحقيقتين ، حقيقة الإله ، جلّ اسمه ، وإنسانية عيسى ، عليه السلام . ثم وقع الاتفاق منهما على أن كل حقيقة باقية على جميع أوصافها من غير اختلاط ولا امتزاج ، بل كل منهما ، حافظة ذاتها من حيث هي كذلك . أمّا المسيح الذي أقنوم لحقيقة الإله فقط ، فقد صرحوا بصلبه ، فيلزم أيضا للفريق الثاني ما لزم الأول . أما الأول : فقد مضى القول فيه مبيّنا . وأمّا الثاني : فلأنهم مصرّحون بأن المسيح ، عليه السلام ، أقنوم لحقيقة الإله فقط ، ومعتقدون بأن حقيقته غير مركّبة ، ليس بينها وبين حقيقة الإنسان اختلاط ولا امتزاج ، وقد حكموا مع ذلك بصلبه ، فيلزم أن يكون المصلوب هو الإله ! ! فإن قيل : إن الفريقين ، كل منهما قائل بالاتحاد ، فلم لا يعود الصّلب على المتّحد به ؟ فنقول : هذه الدعوى لا يقدرون على تحقيقها البتّة ؛ أمّا القدماء ، فلأن المتّحد به ، لا وجود له إلّا في الذهن ، ولأن حقيقة المسيح عندهم غير مركّبة . وأمّا المتأخّرون : فبمثل هذه المقالة - أيضا - يقولون : وأما الاتحاد عندهم بإنسان جزئي ، فحاصله يرجع إلى نسبة ، والعجب من إطلاقهم الصلب على المسيح ( الذي هو أقنوم لحقيقة الإله فقط ) ثم يعترضون بأنّ الاتحاد غير معقول الحقيقة . وكيف يستجيز العاقل أن يطلق الصّلب على المسيح ( الذي هو أقنوم لحقيقة الإله فقط ) ، ويصرّح بجهله بحقيقة الاتحاد الذي ينبني على العلم به ، ردّ الألم إلى الإنسان وصرفه عن الإله ، جلّ اسمه ؟ ! وأعجب من ذلك ركونه إلى ما لا يعلم حقيقته ، وله عن هذه الجهالة ، مندوحة ظاهرة ! ! وأيّ عذر لمن يعتقد أن الحامل له على ذلك ، ما ورد من ظواهر النصوص الدالّة على الاتحاد ، وما ظهر على يد المسيح ، عليه السلام ، من الخوارق ؟ ! وهذا اعتراف بالجهل الصّادّ عن الحق ، ومن لم يدر أوضاع العلوم ، ولم يكن له منها هاد يزعه عن الجهالة ، هان عليه أن يقول مثل ذلك ! ! ( ر ، 132 ، 7 )