الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال
طيف الخيال للمرتضى 53
رسائل طيف الخيال في الجد والهزل
بأنه محسوب وهذا التأويل أحد الوجوه في قوله تعالى : يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ فكأن الشاعر أكد قوله : « غير مصرّد » بأنه أيضا غير محسوب ؛ كل ذلك لنفي التقليل . والوجه الآخر أن يكون معنى محسوب : أي متوقع منتظر ، كما يقال : لم يكن كذا وكذا في حسابي : أي ما توقعته ولا انتظرته . فكأنه قال : تؤتينه في النوم غير مقلّل ، ولا متوقّع منتظر ؛ لأن زيارة الطيف في النوم ليست مما ينتظر ويتوقع . وقوله فلقيتها : معناه : فلقيت خيالها ؛ لأنه لو كان لقيها لما كان مكذوبا . وقوله : « ظهرت لهو امرئ مكذوب » من فصيح العبارة ، وأحسنها معنى . وقال البحتري أيضا : أما معين على الشّوق الذي غربت * به الجوانح والبين الذي أفدا « 1 » كيف اللقاء وقد أضحت مخيّمة * بالشام لا كتبا منها ولا ضددا « 2 » تهاجر أمم ولا وصل يخلطه * إلا تزاور طيفينا إذا هجدا وقد يزير الكرى من لا زيارته * قصد ويدني الهوى من بعد من بعدا بتنا على رقبة الواشين مكتنفي * صبابة نتعاطى البثّ والكدا أما سألت بشخصينا هناك فقد * غابا ، وأمّا خيالانا فقد شهدا ولم يعد ، لها طيف فيفجوني * إلا على أبرح الوجد الذي عهدا قال الآمدي : « لو كان قال : إلا تزاور طيفينا إذا هجدنا ، كان عندي أجود ، فكان المعنى : إني إذا هجدت رأيتها في النوم . فكأنّ نفسي ونفسها اجتمعتا ، وكذلك إذا هجدت هي ترى مثل ما رأيت ، ويكون « طيفينا » محمولا على معنى نفسينا ؛ لأن النفس هي التي ترى ما ترى في النوم ، وهي التي تتمثل أيضا ما تتمثله في اليقظة . وقد يسوغ مع هذا أيضا قوله : « إذا هجدوا » : يريد النفسين ، لأن نفس الإنسان هي التي تنام ، كما قال اللّه تعالى : وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها . ونقول إنه لا شبهة في أنه لو قال البحتري : « إلا تزاور طيفينا إذا هجد » لكان صحيحا مستقيما ؛ لكن وزن الشعر لم يمكنه من ذلك ، فعدل إلى لفظ آخر ، وما أراد إلا هذا المعنى بعينه ؛ لأن الطيفين اللذين هما ما يتمثل في
--> ( 1 ) أفدا : أي الهجر والفراق والغربة التي أصابت الفؤاد في حميمه فحطمته تحطيما . ( 2 ) صددا : يريد لا قريب ولا ناحيته ، والصدد ناحية الشيء ، فقد فقد سبل الوصول أو الاستدلال على محبوبه .