الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال

طيف الخيال للمرتضى 52

رسائل طيف الخيال في الجد والهزل

ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه * في النوم غير مصردّ محسوب قال : وكان الأجود أن يقول ما تمنعني في اليقظة فقد تؤتينه في النوم ، أي ما تمنعينه في يقظتي فقد تؤتينه في حال نومي ، حتى تكون اليقظة والنوم منسوبين إليه . ثم قال : إلا أنه يتسع من التأويل في هذا لقيس ، ما لا يتسع للبحتري ؛ لأن قيسا قال فقد تؤتينه نائمة . وقد يجوز أن يحمل على أنه أراد ما تمنعيني يقظى وأنا يقظان ، فقد تؤتينه في النوم ، أي في نومي ولا يسوغ مثل هذا في بيت البحتري ، لأنه قال وسنى ولم يقل في الوسن . ونقول إنه قد يمكن التأويل للبحتري في بيته ، ما لم يمكن مثله لقيس ؛ لأن البحتري لما قال وسني ، أتى بلفظة تدل على حال الوسن . والحال المعهود للوسن حال يشترك الناس فيها في النوم بالمعاد ، كما أن الحال المعهودة لليقظة حال مشتركة في العادة ، فقوله وسني تنبئ عن كونه هو أيضا نائما ، وإنما أراد المقابلة بين يقظى ووسني . وقول البحتري يقظي : الأولى أن يحمل على أن المراد به أنها هجرت في أحوال اليقظة . ومعنى يقظة يتعدى إليه . ألا ترى أن الآمدي حمل قول قيس « يقظى » على معنى وأنا يقظان وإن تبين الوجه فيه ؟ فكيف لم يفطن لمثل ذلك في قول البحتري ؟ وقوله « وسني ويقظى » مثل قول قيس « يقظى » . ولو مكن قيسا وزن الشعر من أن يقول « وسني » في مقابلة « يقظى » ، لعله ما عدل عنه إلى أن يقول في النوم ؛ لأنه لم يكن عليه في وسني إلا ما عليه في يقظى ، وما يتأول له في أحد الأمرين يتأول بمثله في الآخر . فأما أبيات قيس هذه في الطيف ، فقد سبق فيها إلى كل معنى غريب عجيب ، وهو قدوة في هذا المعنى لكل من تبعه تبع أثره ، والأبيات : أنّى سربت وكنت غير سروب * وتقرّب الأحلام غير قريب ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه * في النوم غير مصرّد محسوب كان المنى بلقائها ، فلقيتها * فلهوت من لهو امرئ مكذوب [ في معني قوله « وكنت غير سروب » ] أما قوله : « وكنت غير سروب » ولم يقل : وكنت غير ساربة ؛ فله معنى عجيب ؛ لأن السارب هو السائر نهارا ، كما أن الساري هو السائر ليلا . ومن لم يسر نهارا مع وضوح المسالك ، والاهتداء إلى المقاصد ، والأنس بضياء النهار ، كيف يسري في الظلام وهو على الضد من هذه المعاني ؟ فالعجب منه واقع في موقعه . وقوله « وتقرب الأحلام غير قريب » من مليح الإشارة إلى غرور الطيف ، وكذب تخييله . فأما المصرّد : فهو القليل . والتّصريد : التقليل . وتحتمل لفظة محسوب شيئين : أحدهما القليل أيضا ؛ لأن الشيء القليل يوصف